ليس أخًا لي في الله تحتمل معاني كثيرة قد تُحمل على التكفير، وقد تُحمل على غير ذلك، خطيرة جدًّا؛ لأنه لا يؤيدك! هل اختيارك في تأييد جماعة معينة أصبح ليس أخًا في الله؟! والله هذا خلل في الولاء و البراء! ليس هذا التوحيد الذي تعلمناه، التوحيد له لوازم"لا إله إلا الله"كما أن فيها النفي وبراءة من كل المعبودات سوى الله وإثبات العبادة لله وحده كذلك يستلزم النفي والإثبات؛ النفي يستلزم البراءة من المشركين والإثبات يستلزم موالاة المؤمنين والانحياز للمؤمنين والنصرة للمؤمنين ومودة للمؤمنين، لذلك قدم الله -عزَّ وجل- كما قلنا في هذه الآيات العظيمة {فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين} ، {أذلة على المؤمنين} ، واستعمل الله -عزَّ وجل- حرف (على) وهو يتضمن العطف والحجب كأنه الوالد على ولده، كما قال بعض السلف -وأظنه عطاء- يقول:"هم لإخوانهم للمؤمنين كالوالد لولده، وعلى الكافرين كالأسد على فريسته"، ليس العكس أبدًا، كالوالد على ولده عطفًا وأخوة وحنانًا ورحمة، هكذا ينبغي أن نكون مع المؤمنين وهذه الصفة المقدمة التي ذكر الله -عزَّ وجل-.
بعد ذلك قال: {أعزة على الكافرين} ، هذه الصفة الثانية، ثم قال: {يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم} ؛ فإذًا صفتهم الجهاد في سبيل الله؛ والجهاد كما تعلمون ليس هو القتال فقط، القتال نوع من أنواع الجهاد والذي يُحجِّر الجهاد على القتال قد حجَّر واسعًا، النبي - صلى الله عليه وسلم - علمنا بأن الجهاد أوسع من القتال؛ الجهاد في سبيل الله ذروة سنام الإسلام منه القتال، وقد ورد أن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفًا في سورة الصف: {إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص} ، فهم من المحبوبين ولكن صفة يحبهم ويحبونه جاءت في مجال أوسع وهو الجهاد لتشمل المجاهد بسلاحه وسنانه، والمجاهد بلسانه، والمجاهد بماله، فيكون مجال الدخول تحت هذه الصفة العظيمة صفة"يحبهم و يحبونه"مجالها أوسع وأبوابها أكثر، فإذا كنت قائمًا على ثغر من ثغور التوحيد، على ثغر من ثغور الإسلام، قائمًا حارسًا على هذه الملة، تصدع بملة إبراهيم وبدعوة التوحيد، وتدعو إليها، وتثبت عليها، وتراغم المشركين في البراءة مما يناقضها، وتتحمل البلاء الذي يترتب على ذلك فأنت من المجاهدين الذين -إن شاء الله- يحبهم الله ويحبونه، هذا الجهاد باللسان- ويؤيد ذلك قول النبي - صلى الله عليه وسلم: (سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره فنهاه فقتله) ، هذا سيد الشهداء حمزة ومثله أيضًا من جاهد بلسانه وصدع بلسانه وأنكر الظلم، ومن باب أولى أنكر الكفر والشرك والتنديد بلسانه، وآخرون يبطلون هذا الشرك والتنديد وينسفونه بسيوفهم وبأسنتهم، ولاشك أنهم أيضًا من المجاهدين.