وكذلك إطلاقات العلماء في الطوائف المنحرفة عن عقيدة أهل السنة والجماعة كقولهم:"الجهمية كفار"أو"القدرية كفار"أو نحو ذلك.
فلا يميزون بين هذا وبين تنزيل هذه الأحكام على الأعيان، فربما كفروا كل من سمعوا منه شيئًا من هذه المقالات أو قرؤوه في كتبه ومؤلفاته، حتى سمعتُ منهم من كَفَّر كثيرًا من الأعلام؛ لوقوعهم في شيء من تأويل الصفات كالحافظ بن حجر والنووي وغيرهم! وهذا كله من التهور والتسرع الذي لا تحمد عقباه.
والصواب عند العلماء المحققين أنهم وإن أطلقوا تلك الإطلاقات في المقالات أو الطوائف التي تنتحلها إلا أنهم لا ينزلون حكم التكفير على المعين إلا بعد النظر في شروط التكفير وموانعه، فمن ذلك ما ذكره شيخ الإسلام مرارًا في (الفتاوى) أن"الجهمية كفَّرهم السلف والأئمة تكفيرًا مطلقًا، وإن كان الواحد المعين لا يكفر إلا بعد قيام الحجة التي يكفر تاركها"أ. هـ.
وخلاصة هذا الموضع:
أن التكفير المطلق: هو أن يثبت بالدليل الشرعي كفر من أتى بقول أو فعل معين، وذلك أن يقال: من قال كذا فقد كفر، أو من فعل كذا فقد كفر، هكذا بإطلاق دون تنزيل الحكم بالكفر على شخص بعينه.
فالتكفير المطلق: هو تنزيل الحكم بالكفر على السبب، لا على الشخص فاعل السبب.
أي: هو تجريم الفعل نفسه لا الفاعل؛ ولذلك يكفي فيه فقط النظر في الدليل الشرعي من حيث كونه قطعي الدلالة على الكفر الأكبر، وأنه ليس من الصيغ محتملة الدلالة مع النظر في قطعية دلالة الفعل أو القول نفسه على الكفر.
أما تكفير المعين: فهو تنزيل حكم التكفير على الشخص المعين الذي قال أو فعل السبب المكفر، فلا بد فيه إضافة إلى النظر في تجريم الفعل كما في التكفير المطلق، أن يُنظر في حال الفاعل أو القائل من حيث ثبوت الفعل عليه وانتفاء موانع الحكم في حقه، أي: استيفاء شروط التكفير وانتفاء موانعه.