فهرس الكتاب

الصفحة 698 من 1052

العلم وتعظيم الرجوع إليهم والتبرك بالاستنارة بأقوالهم؛ فتصيرون بفعلكم هذا طويلب علم مثلي عالما جهبذا وبحرا لا تكدره الدلاء، هذا ظني بك لمعرفتي السابقة بما تكتب وتختار، ولأن تفصيل سؤالك هذا هو تفصيل العارف للإجابة المستبصر بالسبيل ..

على كل حال أنا أرى في ظل ظروف الجهاد وقلة ما في أيدي المجاهدين من المال والعتاد والامكانيات أنه يسعهم أي الاختيارين اختاروه ولو ساروا في المرتدين سيرتهم في الكفار الأصليين حال عدم قدرتهم على أن يسيروا فيهم سيرة المرتدين؛ فأظن أن الأمر فيه سعة حال الاستضعاف وعدم القدرة، وكذلك أخذهم المال منهم او استبدالهم بأسارى مسلمين ونحوه كل ذلك أرى أن للمجاهدين فيه سعة حال عدم تمكينهم، ولو رجعت لسيرة الصحابة والخلفاء لوجدت الأمر كما أقول لك ففي زمن الأسود العنسي سار المسلمون معه في اليمن بالتقية وكتموا عداوتهم له وأسروا كيدهم له لاستضعافهم حتى تمكنوا منه ..

بل وفي كثير من أزمنة الخلافة كان المسلمون حال ضعف شوكتهم في بعض الأزمان يدارون الكفار على اختلاف مللهم بل وصل الحال ببعض سلاطينهم وخلفائهم أن يدفعوا مالا للكفار شبيها بالجزية ليكفوهم عن أنفسهم وحريمهم في فترات الضعف التي مرت فيها الخلافة أو بعض دويلاتها وهذا وإن كانت تأباه نفس المسلم العزيزة إلا نه حين تزدحم المفاسد يجوز اختياره دفعا لأعظم المفاسد وهذا هو الفقه، فليس الفقه معرفة المفسدة وتمييزها من المصلحة وحسب، بل أعظم الفقه التمكن من الترجيح بين المفاسد والمصالح عند التعارض والتزاحم وذلك بالنظر في مآلات الأمور وعواقبها الذي هو مزية أولي الأبصار والنهى والعقول ..

ولا تنس أن لذلك أصل من سيرة المصطفى ففي لحظات إحاطة الأحزاب بالمدينة إحاطة السوار بالمعصم وبلوغ القلوب الحناجر شاور رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه أن يعطي بعض الكفار ثلث ثمار المدينة على أن يرجعوا ويفك الحصار أو يتضعضع .. وبغض النظر عن عدم موافقة الصحابة على ذلك ولكن مجرد عرض النبي صلى الله عليه وسلم عليهم ذلك يدل على جوازه في مثل هذه الظروف ولا تنس أن هذا كان مع مشركين عبدة أوثان لا يجوز أن يقروا بأخذ الجزية منهم فضلا عن أن يعطوا مالا يشبه الجزية، ولكن لكل مقام مقال ولكل مرحلة حالها وظروفها التي يرفع الله عن المسلمين الحرج فيها ..

فالاختيارات في ظروف التمكين غيرها في ظروف الاستضعاف وهذا من توسيع الله عز وجل على أهل الإسلام حيث لم يجعل عليهم حرج ولذلك فالصواب ما جنح إليه شيخ الإسلام ونص عليه بعض المفسرين من أن آيات العفو والكف ونحوها منسأة وليست

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت