فهرس الكتاب

الصفحة 95 من 1052

والجدير بالذكر أن جُلّ تلك الأدلة تتناول من تولاهم أو ناصرهم أو أعانهم ممن كان مظهرًا للإسلام منتسبًا إليه .. فكيف بمن كان منهم أصلًا وفي عدوتهم وصفهم وعلى دينهم وشركهم وقانونهم؟

وقبل أن أختم هذه الأوراق، أقف هاهنا وقفة مع أولئك المجادلين عن جواسيس وعساكر الشرك والقوانين لألفت انتباههم وأذكرهم بالفرق الشاسع بين أن يفشي رجل من المسلمين سرّ المسلمين كما صدر من حاطب ويُروى عن أبي لبابة، وبين أن يكون الرجل جاسوسًا وعينًا للمشركين على الموحدين ...

فصورة النوع الأول؛ أنه رجل في صف المسلمين هو منهم ومن جندهم وأنصارهم يعرف بعض أسرارهم فيُفشيها لضعف أو لشهوة أو لدنيا، ثم يتوب من قريب ويندم على ذلك ندمًا شديدًا. فهذا رغم ما هو معلوم مما نزل بسببه من قرآن، وتعظيم الصحابة لمثله، وغضبهم له فهو دون شك يختلف، ولا تصح مقايسته بحال بمن كان أصلًا جاسوسًا وعينًا للمشركين على الموحدين، يأتي فيندس في صفوفهم ويتصيد أخبارهم أويتسمّع لأحاديثهم من حيث لا يشعرون، لينقلها بعد ذلك إلى أوليائه وأربابه من أهل الشرك تثبيتًا لعروشهم وحفظًا لقوانينهم ونكاية بالموحدين وحربًا لهم ..

فالأول يقال عنه أنه أفشى سر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يقال فيه أنه جاسوس أو أنه والى الكفار وتجسس لهم على المسلمين [1] ، ومع هذا فقد رأيت كيف عظّم الصحابة وشنّعوا على مثل هذا العمل، حتى استأذن عمر في قتله .. وأنّ ظاهره عندهم الكفر فيمن لم يستثنه الوحي المطلع على القلوب.

أما الثاني: فحقيقته أنه عَيْن للمشركين أو جاسوس لهم على الموحدين، يتجسس للقانون وأهله على أهل القرآن والشريعة، ومن كان كذلك فهو من أهل الشرك وأرباب القانون، وقد بيّن رسول الله صلى الله عليه وسلم حاله وحكمه الشرعي فيما رواه البخاري وغيره عن سلمة بن الأكوع قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم عيْنٌ للمشركين وهو في سفر

(1) كما تجرأ بعض المبتدعة وتطاول وقالها في حق حاطب رضي الله عنه، وأما أبو لبابة فقد قالوا عنه أنه خان الله ورسوله واحتجوا بعموم قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول ... الآية) فما أشنع هذا وأشبهه باحتجاج من يرمي نساء النبي بالفاحشة محتجًا بقوله تعالى: (يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب .. الآية) ولا شك أن كلا الاحتجاجين متهافت .. انظر (الشهاب الثاقب في الرد على من افترى على الصحابي حاطب) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت