أن المنفعة إنما تملك بملك الأصل، والأصل مملوك للراهن فالمنفعة تكون ملكه لا يستوفيها غيره إلا بإيجابها له، فإذا أباحها للمرتهن صح ذلك، وحل للمرتهن الانتفاع بالمرهون، وكأن الراهن وهب المنفعة للمرتهن والهبة جائزة شرعًا [1] .
يناقش:
بأن الهبة الجائزة شرعًا هي ما أقدم عليها المالك بمحض اختياره، طيبة بها نفسه، والظاهر من حال الراهن أنه إنما أقدم على إباحة الانتفاع للمرتهن بالمرهون تحت تأثير الحاجة، ولم يكن إذنه عن طيب نفس منه [2] .
القول الثالث:
جواز انتفاع المرتهن بالمرهون إذا كان الرهن بدين في غير القرض، وعدم الجواز إذا كان بدين في قرض. وهو مذهب المالكية [3] ، والحنابلة [4] .
واستدلوا بما يلي:
الدليل الأول:
حديث علي -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله ^: =كل قرض جر منفعة فهو ربا+ [5] .
(1) ينظر: المبسوط (11/ 106) ، بدائع الصنائع (6/ 142) .
(2) ينظر: فتح العزيز (10/ 42) ، تكملة المجموع (13/ 229) .
(3) ينظر: المدونة (14/ 23) ، التفريع (2/ 260) ، الكافي (2/ 818) .
غير أن مذهب المالكية قيدوا الجواز بشرطين:
1 -أن يكون الانتفاع به مدة معلومة، وسواء إلى أجل الدين أو إلى أبعد منه أو إلى دونه.
2 -أن يشترط المرتهن المنفعة له في طلب العقد.
(4) ينظر: الكافي (3/ 201) ، المغني (6/ 509) ، الفروع (6/ 378) .
(5) روي الحديث مرفوعًا، وموقوفًا، ومقطوعًا.
أما المرفوع: عن علي رضي الله عنه أخرجه ابن حجر الهيثمي في المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية (7/ 362) ، والزيلعي في نصب الراية (4/ 60) من طريق سوار بن مصعب بن عمارة، قال: سمعت عليًا يقول: قال رسول الله ^: =كل قرض جر منفعة فهو ربا+. وإسناده ضعيف جدًا؛ سوار بن مصعب هو الهمداني الكوفي أبو عبدالله الأعمى المؤذن، قال ابن معين: ليس بشيء، وقال البخاري: منكر الحديث. وقال النسائي وغيره: متروك.
وقال عنه ابن حجر والزيلعي: (إسناده ساقط) ، وضعفه الشوكاني والألباني، فلا يصح الحديث مرفوعًا إلى النبي ^.
وأما الموقوف فلقد روي عن عدد من الصحابة منهم: عبدالله بن مسعود، وعبدالله بن عباس، وفضالة بن عبيد، وأبي بن كعب وعبدالله بن سلام رضي الله عنهم. وأما المقطوع روي عن النخعي والحسن ومحمد بن سيرين وقتادة وغيرهم.
فالحديث صحيح بالموقوف بكثرة شواهده، ومعناه صحيح وعليه عمل الأئمة، قال التهانوي: (فإن إجماع الأمة وعمل الأئمة بحديث أكبر دليل على صحته) .
ينظر: ميزان الاعتدال (2/ 246) ، بلوغ المرام (29) ، تلخيص الحبير (3/ 997) ، نصب الراية (4/ 60) ، نيل الأوطار (10/ 277) ، إعلاء السنن (13/ 500) ، إرواء الغليل (5/ 234) .