أما الشريعة التي أهملت، والحدود التي عطلت، والأمة التي مزقت، والخلافة التي حطمت ... والدين الذي عزل عن توجيه الحياة وقيادة المجتمع ...
أما هذا كله، فلم تشغل هذه الجماعات أنفسها به - على خطورته وأهميته - إلا بصورة ضئيلة، وفي أحيان ومناسبات نادرة، نتيجة لوجود بعض الأشخاص الأيقاظ الواعين الذين لم تكن تخلو من عدد منهم جماعة من هذه الجماعات.
كانت جل هذه الجماعات الدينية - برغم نيّاتها الطيبة، وجهودها المشكورة - مع الإسلام أشبه بالعميان الذين صادفوا فيلا، فأمسك كل أحد منهم بجزء منه طنه هو الفيل، فلما سئلوا عن وصف الفيل قال أحدهم: إنه عظم مدبب أملس، لأنه لم يمسك إلا بنابه، وقال الثاني: بل هو جسم ضخم مفرطح، لأنه قد أمسك ببطنه، وقال الثلث: بل هو عمود أسطواني قائم لأنه كان قد أمسك برجله، وقال رابع قولا آخر، لأنه أمسك بذيله، وقال خامس غير ما قاله الأربعة، لأنه أمسك بخرطومه ... وكل واحد من هؤلاء لم يصف الفيل، وإن قال حقا في نفسه، لأنه وصف ما عرفه منه فحسب، ولو عرف الفيل كله كما خلقه الله وكما يعرفه أهل البصر لغيّر رأيه، وعدّل قوله ووصفه.
وكذلك كان هؤلاء، ظن بعضهم أن الإسلام في العقيدة وحدها ... وآخر في العبادة أولا ... والثالث في الحشمة والعفاف قبل كل شيء ... ورابع في طهارة القلب ... وكل واحد من هذه الأمور صحيح، ولكنه ليس كل الإسلام، إنما هو جانب واحد منه، ولا مانع شرعا ولا عقلا من أن تهتم جماعة من الجماعات الإسلامية بجانب واحد من الإسلام، تتخصص فيه، وتركز عليه نشاطها وجهودها، ويكون الاختلاف بين بعضها وبعض اختلاف نوع لا اختلاف تضاد (1) ، إنما الممنوع
(1) عرض لتوضيح فكرة «اختلاف التنوع والتخصص» بين الجماعات الإسلامية في أكثر من كتاب لي، وخصوصا: «أين الخلل؟» و «الصحوة الإسلامية بين الاختلاف المشروع والتفرق المذموم»