من يتولّاه ويتولى رسله ممن يتولى الشيطان وحزبه، وفي ذلك يقول سبحانه: {وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا} [الفرقان: 20] ، {ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ} [محمد: 4] ، {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ} [محمد: 31] ، وهو تعالى عليم بذات الصدور، ولا تخفى عليه خافية في الأرض أو في السماء، ولكنه يعامل عباده معاملة المختبر، ليجزيهم بما عملوا لا بما عَلِم أنهم سيعملونه، ويقيم عليهم الحجة، ويُبطل الأعذار والتعلات: {قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ} [الأنعام: 149] .
ولقد زعم بعض المتحاملين على الإسلام أن الإسلام شَهَر السيف ليُكرِه الناس على الدخول فيه، ونسي هؤلاء أن طبيعة الإسلام ترفض الإيمان إذا لم يأت عن طريق الاقتناع والاختيار الحرّ، وقد قال الله تعالى لرسوله في القرآن المكي: {أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} [يونس: 99] ، وقال تعالى في القرآن المدني: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} [البقرة: 256] .
وما كان الجهاد في الإسلام إلا لرد العدوان وإزاحة قوى الطغيان، ليختار الإنسان لنفسه، ويقرر مصيره بإرادته دون فتنة ولا اضطهاد.
لقد بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالرسالة الخاتمة، وقام يدعو الناس إلى التحرر من العبودية لغير الله، من العبودية للأوثان، ومن العبودية للطبيعة، ومن العبودية لكل الأشياء، في الأرض أو في السماء، ومن العبودية للأشخاص أيا كانوا: مرئيين من الإنس، أو مستورين من الجن، أو الملائكة، ومن العبودية للأوهام والأهواء أيا كان نوعها.