«هذه هي واحدة، والثانية: أن الوطنيين فقط جل ما يقصدون إليه: تخليص بلادهم، فإذا ما عملوا لتقويتها بعد ذلك، اهتموا بالنواحي المادية، كما تفعل أوروبا الآن، أما نحن فنعتقد أن المسلم في عنقه أمانة عليه أن يبذل نفسه ودمه وماله في سبيل أدائها، تلك هي هداية البشر بنور الإسلام، ورفع عَلَمه خفاقا على كل ربوع الأرض، لا يبغي بذلك مالا ولا جاها ولا سلطانا على أحد ولا استعبادا لشعب، وإنما يبغي وجه الله وحده، وإسعاد العالم بدينه وإعلاء كلمته، وذلك ما حدا بالسلف الصالحين - رضوان الله عليهم - إلى هذه الفتوح القدسية التي أدهشت الدنيا، وأربت على كل ما عرف التاريخ من سرعة وعدل ونبل وفضل.
وأحب أن أنبّهك إلى سقوط ذلك الزعم القائل إن الجري على هذا المبدأ يمزّق وحدة الأمة التي تتألف من عناصر دينية مختلفة، فإن الإسلام وهو دين الوحدة والمساواة كل هذه الروابط بين الجميع ما داموا متعاونين على الخير:
{لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الممتحنة: 8] . فمن أين يأتي التفريق إذن (1) ؟
أفرأيت بعد هذا كيف أننا متفقون مع أشد الناس غلوا في الوطنية في حب الخير للبلاد، والجهاد في سبيل تخليصها وخيرها وارتقائها، ونعمل ونؤيد كل من يسعى في ذلك بإخلاص، بل أحب أن نتعلم أن مهمتهم إن كانت تنتهي بتحرير الوطن واسترداد مجده، فإن ذلك عند الإخوان المسلمين بعض الطريق فقط،
(1) انظر: كتابنا «غير المسلمين في المجتمع الإسلامي» ، وفصل «الحل الإسلامي والأقليات الدينية» من كتابنا «بينات الحل الإسلامي وشبهات العلمانيين والمتغربين» .