وأود هنا أن أبرز ملاحظتين هامتين:
الأولى: أن الشمول الإسلامي الذي يضمّ العقيدة والشريعة والأخلاق والآداب، والتشريع والمعاملات، والنّظم والحضارات ... إلخ - لا يعني أن الإسلام جاء بتفصيلات كاملة لجزئياتها، وفصّل كل شيء فيها تفصيلا.
فهذا غير صحيح، وهو ليس من الدين ولا الواقع في شيء.
إن عناية الإسلام إنما هي بالكليات والمقاصد، والقواعد الأساسية، والأحكام الضابطة للأمور التي من شأنها الثبات، ولو اختلفت الأزمان والبيئات والأحوال.
وفيما عدا ذلك يتخذ الإسلام أحد طريقين:
1 -إما أن يترك الأمر للناس، ويسكت عن الحكم فيه رحمة بهم، وتوسيعا عليهم، من غير نسيان ولا إهمال، وهذه هي المنطقة التي سميناها «منطقة العفو» أخذا من الحديث النبوي الذي رواه أبو الدرداء عن النبي - صلى الله عليه وسلم: «ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرّم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن لينسى شيئا» ، ثم تلا: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} [مريم: 64] (1) .
وهنا تختلف اجتهادات الفقهاء لملء هذه المنطقة بما لديهم من أدوات الاجتهاد، إما عن طريق القياس على المنصوص عليه بشروطه، أو بطريق
(1) والحديث رواه البزار، ورجاله ثقات كما قال الهيثمي (7/ 55) ، والحاكم وصححه (2/ 375) ووافقه الذهبي.