فلا عجب أن أذن الله للرسول والمؤمنين أن يدافعوا عن أنفسهم، ويذودوا عن دعوتهم وحرياتهم، بل حرية أهل الأديان جميعا: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ. الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}
[الحج: 39، 40] ، وتتالت أوامر القرآن تُعِدّ الأمة للجهاد وقتال قوى الشرك كما تقاتل هي الإسلام: {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} [التوبة: 36] .
كما أن الجهاد في الإسلام ليس لتحقيق هدف استعماري أو مغنم دنيوي، ولو شابه شيء من ذلك لم يَعُد جهادا في سبيل الله، وبطل أجر صاحبه، بل كان مِن أول من تُسعّر بهم النار.
فقد سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الرجل يقاتل للمغنم، أو حمية - أي: عصبية لقومه - أو ليُرى مكانه، فكان جوابه القاطع: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، فهو في سبيل الله» (1) .
إن الجهاد هو ذروة سنام الإسلام، وهو جهاد في سبيل الله لا في سبيل الطاغوت، وهو جهاد لمقاومة طغيان الباطل لا لإكراه الناس على الحق، وهو شعبة من رسالة المسلم في الحياة، إلى جوار العبادة لله، وفعل الخير للناس: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ ... } [الحج: 77، 78] .
فلا عجب أن جعله الأستاذ البنا جزءا أساسيا من أجزاء الإسلام: «فهو جهاد ودعوة، وجيش وفكرة» ، كما أنه عقيدة وعبادة سواء بسواء.
(1) متفق عليه عن أبي موسى.