ولقد كان هذا المعنى واضحا عند الإمام البنا، فلم يرفض فكرة «القومية» رفضا كليا، ولم يقبلها قبولا مطلقا، بل فصّل فيها كما فصّل في «الوطنية» ، قال - رضي الله عنه:
«إن كان الذين يعتزّون بمبدأ «القومية» يقصدون به أن الأخلاف يجب أن ينهجوا نهج الأسلاف في مراقي المجد والعظمة ومدارك النبوغ والهمة، وأن تكون لهم بهم في ذلك قدوة حسنة، وأن عظمة الأب مما يعتزّ به الابن ويجد لها الحماس والأريحية بدافع الصلة والوراثة، فهو مقصد حسن جميل نشجعه ونأخذ به، وهل عدتنا في إيقاظ همة الحاضرين إلا أن نحدوهم بأمجاد الماضين؟
ولعل الإشارة إلى هذا في قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: «الناس معادن، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا» (1) ، فها أنت ذا ترى أن الإسلام لا يمنع من القومية بهذا المعنى الفاضل النبيل.
وإذا قُصد بالقومية أن عشيرة الرجل وأمته أولى الناس بخيره وبرّه وأحقّهم بإحسانه وجهاده فهو حق كذلك، ومن ذا الذي لا يرى أولى الناس بجهوده قومه الذين نشأ فيهم ونما بينهم؟
لعمري لرهط المرء خير بقية ÷ عليه وإن عالوا به كل مركب
وإذا قُصد بالقومية أننا جميعا مبتلون مطالبون بالعمل والجهاد، فعلى كل جماعة أن تحقق الغاية من جهتها، حتى تلتقي - إن شاء الله - في ساحة النصر، فَنِعْمَ التقسيم هذا، ومَن لنا بمن يحدو الأمم الشرقية كتائب كل في ميدانها حتى نلتقي جميعا في بحبوحة الحرية والخلاص؟
كل هذا وأشباهه في معنى القومية جميل معجب لا يأباه الإسلام، وهو مقياسنا، بل نفسح صدرنا له ونحضّ عليه.
(1) متفق عليه عن أبي هريرة كما في «صحيح الجامع الصغير» .