فهرس الكتاب

الصفحة 94 من 118

أما أن يراد بالقومية إحياء عادات جاهلية درست، وإقامة ذكريات بائدة خلت، وتعفية حضارات نافعة استقرت، والتحلل من عقدة الإسلام، ورباطه بدعوى القومية والاعتزاز بالجنس، كما فعلت بعض الدول في المغالات بتحطيم مظاهر الإسلام والعروبة، حتى الأسماء وحروف الكتابة وألفاظ اللغة، وإحياء ما اندرس من عادات جاهلية، فذلك في القومية معنى ذميم وخيم العاقبة سيء المغبة، يؤدي بالشرق إلى خسارة فادحة يضيع معها تراثه، وتنحط بها منزلته، ويفقد أخص مميزاته، وأقدس مظاهر شرفه ونبله، ولا يضر ذلك دين الله شيئا: {وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} [محمد: 38] .

وأما أن يراد بالقومية الاعتزاز بالجنس إلى درجةٍ تؤدي إلى انتقاص الأجناس الأخرى والعدوان عليها والتضحية بها في سبيل عزة أمة وبقائها، كما تنادي بذلك ألمانيا وإيطاليا مثلا، بل كما تدّعي كل أمة تنادي بأنها فوق الجميع، فهذا معنى ذميم كذلك ليس من الإنسانية في شيء، ومعناه أن يتناحر الجنس البشري في سبيل وهم من الأوهام، لا حقيقة له، ولا خير فيه.

الإخوان المسلمون لا يؤمنون بالقومية بهذه المعاني، ولا بأشباهها، ولا يقولون فرعونية وعربية وفينيقية وسورية، ولا شيئا من هذه الألقاب والأسماء التي يتنابز بها الناس، ولكنهم يؤمنون بما قال رسوله الله - صلى الله عليه وسلم - الإنسان الكامل، بل أكمل معلّم علّم الإنسان الخير: «إن قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظّمها بالآباء، الناس لآدم، وآدم من تراب، لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى» (1) .

ما أروع هذا وأجمله وأعدله، الناس لآدم فهم في ذلك أكفاء، والناس يتفاضلون بالأعمال، فواجبهم التنافس في الخير؛ دعامتان قويمتان لو بنيت عليهما الإنسانية، لارتفعت بالبشر إلى علياء السموات؛ الناس لآدم فهم إخوان، فعليهم أن يتعاونوا وأن يسالم بعضهم بعضا، ويرحم بعضهم بعضا، ويدل

(1) رواه أبو داود في «الأدب» [5116] ، والترمذي في «المناقب» وحسنه [3950] ، وأحمد والبيهقي عن أبي هريرة، انظر: كتابنا «المنتقى من الترغيب والترهيب» ط. حديث [1792] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت