وفي ذلك نزل قوله تعالى {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} [البقرة: 208] (1) .
وخاطب الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم فقال: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ} [المائدة: 49] .
فهنا يحذّر الله رسوله من غير المؤمنين أن يصرفوه عن بعض أحكام الإسلام، وهو خطاب لكل من يقوم بأمر الأمة من بعده.
والحقيقة أن تعاليم الإسلام وأحكامه في العقيدة والشريعة والأخلاق والعبادات والمعاملات لا تؤتي أكلها إلا إذا أخذت متكاملة، فإن بعضها لازم لبعض، وهي أشبه «بوصفة طبية» كاملة مكوّنة من غذاء متكامل، ودواء متنوع، وحمية وامتناع من بعض الأشياء، وممارسة لبعض التمرينات، فلكي تحقق هذه الوصفة هدفها لا بد من تنفيذها جميعا، فإن ترك جزء منها قد يؤثر في النتيجة كلها.
الثالث: أن الحياة نفسها وحدة لا تنقسم، وكل لا يتجزأ.
ولا يمكن أن تصلح الحياة إذا تولى الإسلام جانبا منها كالمساجد والزوايا يحكمها ويوجّهها، وتركت جوانب الحياة الأخرى لمذاهب وضعية، وأفكار بشرية، وفلسفات أرضية، توجهها وتقودها.
لا يمكن أن يكون للإسلام المسجد، ويكون للعلمانية المدرسة والجامعة والمحكمة والإذاعة والتلفاز والصحافة والمسرح والسينما، والسوق والشارع، وبعبارة أخرى: الحياة كلها!
(1) يقول ابن كثير في تفسير الآية: «يقول الله تعالى آمرا عباده المؤمنين به، المصدقين برسوله: أن يأخذوا بجميع عرى الإسلام وشرائعه، والعمل بجميع أوامره، وترك جميع زواجره، ما استطاعوا من ذلك» «تفسير ابن كثير» (1/ 247) ط. دار إحياء التراث العربي بيروت.