أَلَا إِنَّ الْقُرْآنَ وَالسُّلْطَانَ سَيَفْتَرِقَانِ - أي: الدين والدولة - فَلَا تُفَارِقُوا الْكِتَابَ، أَلَا إِنَّهُ سَيَكُوْنُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ يَقْضُوْنَ لِأَنْفُسِهِمْ مَا لَا يَقْضُوْنَ لَكُمْ، فَإِنْ عَصَيْتُمُوْهُمْ قَتَلُوْكُمْ، وَإِنْ أَطَعْتُمُوْهُمْ أَضَلُّوْكُمْ». قَالُوْا: وَمَاذَا نَصْنَعُ يَا رَسُوْلَ اللهِ؟ قَالَ: «كَمَا صَنَعَ أَصْحَابُ عِيْسَى ابْنُ مَرْيَمَ: نُشِرُوْا بِالْمَنَاشِيْرِ، وَحُمِلُوْا عَلَى الْخُشُبِ، مَوْتٌ عَلَى الطَّاعَةِ خَيْرٌ مِن الْحَيَاةِ َفِيْ مَعْصِيَةِ اللهِ» (1) .
أما طبيعة الإسلام ورسالته، فذلك أنه دين عام، وشريعة شاملة، وشريعة هذه طبيعتها لا بد أن تتغلغل في كافة نواحي الحياة، ولا يتصور أن تهمل شأن الدولة، وتدعها للمتحللين والملحدين، أو الفسقة، يديرونها تبعا للهوى.
كما أن هذا الدين يدعو إلى التنظيم وتحديد المسؤولية، ويكره الاضطراب والفوضى في كل شيء، حتى رأينا الرسول صلى الله عليه وسلم يأمرنا في الصلاة أن نسوّي الصفوف وأن يؤمّنا أعلمنا، وفي السفر يقول: «أمّروا أحدكم» .
يقول الإمام ابن تيمية في «السياسة الشرعية» : «يجب أن يعرف أن ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين، بل لا قيام للدين ولا للدنيا إلا بها، فإن بني آدم لا تتم مصلحتهم إلا بالاجتماع، لحاجة بعضهم إلى بعض، ولا بد عند الاجتماع من رأس، حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمّروا أحدهم» . رواه أبو داود من حديث أبي سعيد وأبي هريرة (2) . وروى الإمام
(1) رواه إسحاق بن راهويه في «مسنده» عن سويد بن عبد العزيز، وهو ضعيف، وأحمد بن منيع ورواته ثقات كما قال البوصيري في «الإتحاف» . انظر: «المطالب العالية» لابن حجر، بتحقيق: الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي - نشر أوقاف الكويت جـ 4 حديث رقم [4408] ، ورواه الطبراني، وفيه يزيد بن مرثد لم يسمع من معاذ، وثقه ابن حبان وغيره وضعفه جماعة، وبقية رواته ثقات. انظر: «مجمع الزوائد» للهيثمي (5/ 238) .
(2) ورواه الطبراني عن عبد الله، ورجاله رجال الصحيح كما في «مجمع الزوائد» (5/ 249) .