«من قاتل تحت راية عُمَيَّة، يغضب لعصبة، أو يدعو إلى عصبة، أو ينصر عصبة، فقُتل، فقتلة جاهلية» (1) .
وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن"العصبية"، فقال: «أن تعين قومك على الظلم» (2) ، ففسرها بأثرها في واقع المجتمع القَبَلي، فصاحب العصبية مع جماعة وإن جاروا وظلموا، وضد خصومهم وإن بروا وأقسطوا، أو أوذوا وظلموا، على خلاف ما جاء به الإسلام من القيام بالقسط: {وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ} [النساء: 135] ، {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا} [المائدة: 8] .
وفي لحظة من لحظات الضعف البشري أطلت النزعة القَبَلية عند بعض الصحابة، فتنادوا بأسماء قبائلهم: يا بني فلان، ويا بني عِلَّان، فغضب النبي - صلى الله عليه وسلم - أشد الغضب، وقال: «أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم» ؟! (2) ، وقال عن دعوة العصبية كلمته المعبرة: «دعوها فإنها منتنة» (3) .
لقد أراد الإسلام أن يبني «أمة» على أساس العقيدة والفكرة، وليس على أي أساس مادي أو أرضي مما يبني عليه البشر أممهم، من عنصر أو لون أو لغة أو أرض، مما ليس للإنسان فيه إرادة واختيار، بل هو قدر مفروض عليه، فلم يختر الإنسان جنسه ولا لونه ولا لغته ولا أرضه التي وُلِدَ فيها، إنما ورث هذا كله دون أن يكون له رأي فيه.
أما العقيدة .. فالأصل فيها أنها من اختيار الإنسان، وإيمان المقلد مشكوك في قبوله، بل مرفوض عند المحققين من علماء المسلمين.
أراد الإسلام للمسلمين أن يكونوا أمة تنتسب إلى الحق لا إلى زيد أو عمرو
(1) رواه مسلم في «الإمارة» عن أبي هريرة [1848] ، وعمية: الأمر لا يستبين وجهه.
(2) رواه أبو داءد في «الأدب» [5119] عن واثلة بن الأسقع، وابن ماجه في «الفتن» [3949] .
(3) ذكره ابن كثير في «تفسيره» عن ابن إسحاق (1/ 389) .
(4) رواه البخاري.