ولهذا رفض الإسلام أن يكون للمسلمين خليفتان في وقت واحد، حرصا على وحدة الأمة، ومنعا لتفرّق كلمتها، وشتات أمرها.
ولهذا لا يجوز أن نقول في تعبيرنا: الأمم الإسلامية، بل الأمة الإسلامية، فهي أمة واحدة كما أمر الله، وليست أمما متفرقة، كما أراد الاستعمار.
يقول الله تعالى {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 103] .
ويقول: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [آل عمران: 105] .
ولقد نبّه القرآن على دسائس بعض أهل الكتاب الذين يسعون جهدهم لتمزيق شمل المسلمين، وإثارة النعرات العصبية بينهم، فقال تعالى محذرا: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ} [آل عمران: 100] .
وسبب نزول الآية الكريمة وما بعدها يدل على أن المقصود: يردّوكم بعد وحدتكم متفرقين، وبعد أخوّتكم متعادين.
إن وحدة الأمة توجب عليها أن تجعل أخوّتها الإسلامية فوق كل العصبيات، فقد جعلها الله تعالى معبرة عن الإيمان ومجسّدة له {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 10] .
وقال رسوله الكريم - صلى الله عليه وسلم: «المُسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يسلمه» (1) ، أي: لا يخذله عند الشدة أو عند الاعتداء عليه، بل ينصره ويسانده، وهذا هو مقتضى الأخوة، وهو ما يؤكده الحديث الآخر: «المسلمون تتكافأ دماؤهم، يسعى بذمّتهم أدناهم، ويجير عليهم أقصاهم، وهم يد على مَن سواهم» (2) .
(1) متفق عليه عن ابن عمر، كما في «صحيح الجامع الصغير» .
(2) رواه أبو داود في «الجهاد» [2751] ، وابن ماجه [2852] عن عبد الله بن عمرو.