وجعل هذا الجهاد من دلائل الإيمان بالحق، وأنكر على قوم زعموا الإيمان من غير استعداد للبذل والجهاد: {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} [الحجرات: 14] ، ثم بيّن تعالى من هم المؤمنون حقا فقال: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [الحجرات: 15] .
وفي كل مجتمع يوجد أفراد ينزعون إلى الزهد في الدنيا، والزهد في لقاء الناس، والزهد في الانقطاع إلى العبادة.
ولكن نبي الإسلام يوجه الطاقات الروحية عند هؤلاء إلى ساحة الجهاد الرحبة، بدل الصومعة الضيقة.
وما أعظم الفرق بين صاحب الصومعة وصاحب الجهاد! ذاك يفرّ من الشر خائفا، وهذا يهاجمه واثقا، ذاك يعيش في حدود نفسه، وهذا يعيش لأبناء جنسه.
ولهذا أوصى الرسول - صلى الله عليه وسلم - بعض أصحابه فقال: «وعليك بالجهاد فإَنه رهبانية الإسلام» (1) .
وقال أبو هريرة: «مر رجل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - على شِعْبٍ - وهو المنفرج بين جبلين - فيه عُيَيْنَة - أي عين صغيرة - من ماء عذبة، فأعجبته لطيبها، فقال: لو اعتزلت الناس فأقمت في هذا الشِّعْبِ، ولن أفعل حتى أستأذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فد كر ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: «لا تفعل، فإن مُقام أحدكم في
(1) رواه أحمد عن أبي سعيد الخدري، ورواته، ثقات كما في «التيسير» للمناءي، وحسنه في «صحيح الجامع الصغير» .