في شيء من ذلك قياس، بل يرجع ذلك إلى إثبات أصلين ولزوم نتيجة منهما: إما بطريق العموم، أو الدلالة، أو الفرق، أو النقض، أو السبر والتقسيم، كما سبق.
وتلك الأصول التي تدرك النتيجة بها [1] : تارة تقتبس من اللغة فيما يبنى على الاسم كما في الأيمان والنذور وجملة من أحكام الشرع.
وتارة تبنى على العرف والعادة كما في المعاملة، ومنه يؤخذ تحقيق معنى الغرر وتحقيق معنى الطعم في دهن البنفسج والكتَّان والزعفران وغيرها.
وتارة تبنى على محض النظر العقلي كالنظر في اختلاف الأجناس والأصناف؛ فإنه لا يعرف ذلك إلا بإدراك المعاني التي بها تتنوع الأشياء وتختلف ماهياتها وتُميزها عن المعاني العارضة الخارجة عن الماهية التي بها تصير الأشياء أصنافًا متغايرة مع استواء الماهية، وذلك من أدقِّ مدارك العقليات.
وتارة تُبنى على مجرد الحسِّ كقوله: {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} [2] ، فبالحسِّ يدرك بأن البدنة مثل النعامة، والبقرة مثل حمار الوحش، والعنز مثل الظبي.
وتارة تُبنى على النظر في طبيعة الأشياء وجبلَّتها وخاصيتها الفطرية، فإن الماء الكثير إذا تغير بالنجاسة ثم زال تغيره بهبوب الريح وطول الزمان عاد طاهرًا، ولو زال بإلقاء المسك والزعفران لم يعد طاهرًا؛ لأنهما ساتران للرائحة لا مزيلان لها [3] ، [9/أ] ولو زال بإلقاء التراب ففيه قولان [4] ، ثم: منشأ هذا النظر أن التراب مزيل أو ساتر؟ وإلا فالعلة [5] معلومة محررة وهو زوال التغير، فإن كان التراب في علم الله مزيلًا فهو معيد للطهارة قطعًا، وإن كان ساترًا فهو غير معيدٍ
(1) ... راجع: شفاء الغليل / 436 وما بعدها.
(2) ... سورة المائدة: آية 95.
(3) ... في الأصل: لهما.
(4) ... راجع: فتح العزيز 1/ 200، والمجموع 1/ 184.
(5) ... في الأصل: والافالعة.