تتميز مجاريه عن مواقفه [1] ، ولا تتميز إلا بعلامة.
وأما قولنا: «ولا [2] علامة إلا هذه» ففيها النزاع؛ فنقول: إنما قلنا ذلك لأنه لا علامة إلا كونه بُرًّا أو مالًا أو [3] مطعومًا أو قوتًا أو مكيلًا، وباطلٌ أن يكون بُرًّا بدليل جريانه في الدقيق والخبز، وباطل أن يكون قوتًا لجريانه في الملح، وباطل أن يكون مالًا ومكيلًا لكذا وكذا على ما نذكر في تلك المسألة، فلم يبق إلا كونه مطعومًا.
وهذا طريقٌ عقليٌّ صحيحٌ في تعين العلامة بعد الاضطرار إلى طلبها، فلا نحتاج إلى المناسبة والتأثير، بل الإجماع عرَّفنا أنه معلق بوصفٍ مشتركٍ بين البرِّ والخبز، ثم العقلُ عرَّفنا انحصار الأوصاف، ثم دلالات الشرع عرَّفتنا [4] بطلان بعضها، فتعين الباقي بالضرورة.
فليس غرضُنا الآن إثباتَ علة الطعم، بل ربما يصحُّ بهذا الطريق القوت [5] أو شيءٌ آخر، بل غرضُنا أنه لو تيسَّر مثل هذا الطريق في موضعٍ من المواضع فليس وضعًا بالرأي بل هو تفحصٌ عن المناط المبهم واستدلالٌ على تعيينِه بطريقه، وإن لم يتيسَّر فلا يمكن تعيين العلامة.
وتعيين ذلك ذكرناه في مسألة الربا في كتاب (المبادئ والغايات من الخلافيات) [6] .
(1) ... في الأصل: موافقه. والمراد بمواقفه: مواضع وقوفه وعدم جريانه.
(2) ... في الأصل: فلا.
(3) ... في الأصل: ومطعومًا.
(4) ... في الأصل: عرفنا.
(5) ... في الأصل: القوة.
(6) ... وهو كتاب في علم الخلاف (المناظرات الفقهية) (الجدل الفقهي) ، ذكره الغزالي في محك النظر / 101، 102، وفي معيار العلم / 60، 176، قال في المعيار / 60: صنفنا في طرق المناظرة في الفقه: (مآخذ الخلاف) أولًا، و (لباب النظر) ثانيًا، و (تحصين المآخذ) ثالثًا، و (كتاب المبادئ والغايات) رابعًا، وهو الغاية القصوى ... إلخ. ولم أعثر على هذا الكتاب.