والأنوثة مع معنى النجاسة، ثم نهى عن البول في الماء الراكد [1] ، ولا فرق بين بول الأنثى وبول الذكر، وكذلك في سائر أحكام النجاسة، وهذا التحقيق، وهو أن الحكم من الشارع توقيفٌ كما أن الاسم من الواضع توقيف، فأي فرق بينهما؟
قلنا: سنبيِّن في المسألة [2] الثالثة أنه لا فرق، وأنه لا قياسَ في الشرع إن كان يُعنى بالقياس أمرٌ لا يدخل تحت التوقيفِ، بل الشرع كلُّه توقيفٌ، ونحن لا نجوِّز قياسَ النبيذ على الخمر في حكم التحريم ما لم يدل دليل آخر سوى هذا الحكم على أن الحكم إذا ثبت مقرونًا بمعنى مخيل [3] كان منوطًا بمجرد الإخالة [4] من غير التفات إلى خصوص وصف المحلِّ، فيكون ذلك الدليل تعريفًا من الشارع، وتعريفه كله توقيف، ولكن طرق التعريف كثيرة: قد يكون بلفظٍ أو إشارةٍ أو سكوتٍ أو استبشارٍ أو قرينةٍ أو معني مدرك من ألفاظٍ كثيرةٍ
(1) ... قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه» . أخرجه البخاري في صحيحه 1/ 53، ومسلم في صحيحه / 235 من حديث أبي هريرة.
(2) ... تأتي في ص 33.
(3) ... هذا اللفظ: بكسر الخاء مع ضم الميم أو فتحها، وهو بالضم اسم فاعل أي: مُحدث للظنِّ، وبالفتح اسم مفعول أي: واقع عليه الظن، ويطلق المفتوح - أيضًا - على الشيءِ الخليق بالتحقق، وقد تفتح خاؤه مع ضم ميمه وتشديد يائه، فيقال: فلان يمضي على المُخَيَّل، أي: على ما خيلت وشبهت. انظر: النهاية في غريب الحديث 2/ 93، ولسان العرب 13/ 240 - 241، وتاج العروس 7/ 313 - 315، والمصباح المنير 1/ 200 (خيل) ، والمعتبر للزركشي / 303.
(4) ... قال الغزالي في شفاء الغليل / 143: ... المناسبة، والإخالة عبارة عنها.
وفي المعتبر للزركشي / 303: الإخالة بكسر الهمزة وفتحها، قيَّده السيرافي، واستعملها ابن الحاجب في القياس بمعنى المناسبة (انظر: شرح العضد 2/ 238) وقال صاحب المشوف المعلم: خلت الشيء أخاله خيلاء ومخيلة: ظننته، وخيلت أي شبهت وهو مخيل للخير أي خليق له.
وفي أصول ابن مفلح 2/ 780: المناسبة، ويرادفها الإخالة وتخريج المناط؛ وهو تعيين علة الأصل بمجرد إبداء المناسبة من ذات الوصف لا بنص وغيره، كالإسكار للتحريم.
وفي نشر البنود 2/ 170: سميت مناسبة الوصف بالإخالة؛ لأنه بالنظر إلى ذاتها يُخال - أي: يظن - علِّيَّة الوصف للحكم.
ويأتي حديث الغزالي عن الإخالة في ص 90.