قلنا: التوقيف منهم في تصريف المصادر معلوم على الإطلاق إلا ما يستثني على سبيل التنصيص عليه من كلمات، لا يُشكِّكُنا ذلك الاستثناء في توقيفهم المطلق أصلًا.
فإن قيل: فقولوا: إن الشارع إذا نصَّ على حكمٍ بسببٍ في محلٍّ فإن عرَّفنا أن الحكم معلَّق بمجرد السبب دون خصوص وصف المحل أثبتنا الحكم بالعموم توقيفًا لا قياسًا، وإن بيَّن أن الحكم معلق بالسبب في المحل مع ملاحظة خصوص المحلِّ لم نخالف التوقيف، وإن لم يتعرض للأمرين جميعًا توقفنا ولم نَقِسْ غير المنصوص على المنصوص، فإذا قضى بتحريم الخمر ولم يصرِّح بأنه منوط بمجرد [1] الإسكار دون ملاحظة كونه خمرًا معتصرًا من العنب ولا تعرَّض لكونه منوطًا به [2] مع اعتبار وصف المحلِّ الخاصِّ - فليس لنا أن نقيسَ عليه النبيذ المسكر؛ إذ من عادة الشرع اعتبار وصف المحلِّ الخاصِّ في مواضع، كما أن من عادته اتباع مجرد المعنى واطراح خصوص وصف المحل في مواضع؛ فإنه
قال: (يُرَشُّ على بول الغلام ويُغسل بول الجارية) [3] ، فاعتبر صفة الذكورة
(1) ... في الأصل: لمجرد.
(2) ... في الأصل: له.
(3) ... حديث رشّ بول الغلام الذي لم يأكل الطعام: أخرجه البخاري في صحيحه (انظر: فتح الباري 1/ 325 - 326) ، ومسلم في صحيحه / 237 من حديث عائشة وأم قيس بنت محصن. وفي الفرق بين بول الغلام وبول الجارية أحاديث، منها:
حديث علي مرفوعًا، أخرجه أبو داود في سننه 1/ 261 - 262، والترمذي في سننه 2/ 60 - 61 وقال: «حديث حسن» ، وابن ماجه في سننه / 174 - 175، والحاكم في المستدرك 1/ 165 - 166 وقال: «صحيح على شرطهما» - ووافقه الذهبي في التلخيص - والبيهقي في السنن الكبرى 2/ 215، وابن خزيمة في صحيحه 1/ 142 - 143، وصححه ابن حجر في فتح الباري 1/ 326.
ومنها: حديث لبابة بنت الحارث مرفوعًا، أخرجه ابن ماجه في سننه / 174، وابن خزيمة في صحيحه 1/ 143.
ومنها: حديث أبي السمح مرفوعًا، أخرجه أبو داود في سننه 1/ 262، والنسائي في سننه 1/ 158، وابن ماجه في سننه / 175، وابن خزيمة في صحيحه 1/ 143.