و إنما جاء خطأ الموسوعة في هذه القضية؛ لأنهم ظنوا أن هذه الآية خاصة بالرسول عليه وآله الصلاة والسلام، وأن أنواع الوحي الثلاثة التي ذكرت في الآية كلها إنما قصد بها النبي وحده والأمر بالطبع ليس كذلك، فالآية تقول * وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللّهُ ومعنى هذا: أن أي بشر أرسله اللّه كان وصول الرسالة الإلهية إليه لا يخرج عن واحدة من هذه الطرق الثلاث، فبعضهم يلهمه اللّه ما يشاء أي يلقي في قلبه ما يريده اللّه، وبعضهم يسمع كلام اللّه من وراء حجاب، وبعضهم يأتيه الوحي بوساطة الملك، وهذه الطريقة الأخيرة وحدها التي نزل بها القرآن، فالقرآن الكريم لم يتلق منه شيء ولو آية واحدة بالطريقة الأولى، ولا بالطريقة الثانية، وإنما كان القرآن كله بوساطة الملك. قال تعالى:
وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ (( 192 ) )نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (( 193 ) )عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (( 194 ) )بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (( 195 ) ) [الشعراء: (192) - (195) ] . وفي آية أخرى: قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ (( 102 ) ) [النحل: (102) ] ، وفي آية أخرى: قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللّهِ [البقرة: (97) ] والآيات التي تدل على هذا كثيرة ليس غرضنا أن نستقصيها.
ولكن الذي نريد أن نصل إليه، هو أن القرآن الكريم لم يوح إلى النبي عليه وآله الصلاة والسلام بالطريقة الأولى، وهي الإلهام ولا بالطريقة الثانية وهي التكليم من وراء حجاب. وإنما هاتان الطريقتان هما من طرق الوحي لأنبياء اللّه عليهم الصلاة والسلام. وربما يكون النبي عليه وآله الصلاة والسلام ألهم بعض الأمور، ولكن غير القرآن، فالقرآن كله لم ينزل إلا بالطريقة الثالثة، وهذا أمر متيقن لا مجال فيه لارتياب أو محاورة.
وهذا الخطأ في الموسوعة جرّ إلى خطأ آخر، وهذا أمر طبعيّ أن ينتج عن الخطأ خطأ آخر، وهو ما قررته الموسوعة بأن القرآن «يستعمل اصطلاحا بأن القرآن نزل على الرسول، فهذه الطريقة تدل على نوع من الخيال دون أن يكون هنالك صورة مرافقة لتوصيل هذا الخيال» .