و أما ثانيا: فلأن هذه الأشعار إذا خضعت للنقد فسيظهر أن كثيرا منها سيتطرق إليه الشك، بل سنجد أن هذه الأشعار هي التي تأثرت بالقرآن، كما تأثرت به العصور التالية فيما بعد.
وأما ثالثا: وهو ما يعوّل عليه كثيرون من شعر أمية بن أبي الصلت، فإن أمية مع أنه لم يدّع النبوة فإن شعره كان مزيجا مما أخذ من القرآن وغيره، وهذا ما لاحظه (هوارت) ؛ فقد لاحظ أن أمية عند ما يتكلم عن وصف النار يقلد أسلوب التوراة، وعند ما يشرع في وصف الجنة يستخدم عبارات القرآن، وعند ما يقص التاريخ الديني يلجأ أحيانا إلى الأسطورة الشعبية، وإلى ما يشبه الأساطير الميثولوجية (أو أساطير الآلهة اليونانية) حيث يتمثل الشخص أحيانا في صورة إنسان، وأحيانا في صورة حيوان أو نبات [1] .
وأما رابعا: فلقد كان العرب يرصدون النبي في كل كلمة وموقف وكانوا سيجدون خير فرصة سانحة لهم للتشهير لو وجدوا جزئية واحدة تدل على هذا التأثر.
فإذا تركنا الحنفاء جانبا وجدنا أن من الممكن أن ينشأ سؤال آخر، لقد كان هناك من يسمون الصابئة في المجتمع الجاهلي، ولقد أشار إليهم القرآن في أكثر من آية، فلم لا يكون القرآن قد أفاد من هؤلاء؟ والجواب عن هذا التساؤل أيسر من سابقه، فالصابئة كانوا يحجون إلى حران في العراق بدل الكعبة، وكانوا يعبدون النجوم والكواكب وكانت طقوسهم الدينية عند طلوع الشمس وعند زوالها وغروبها، وهي الأوقات التي حرم الإسلام العبادة فيها، وكانوا يبيحون الزواج من بعض المحارم، ومن هؤلاء عقائدهم وعباداتهم يبعد كل البعد أن يقبس القرآن منهم شيئا. وبعد فالمجتمع بكل عناصره وفئاته لا يصلح أن يكون مصدرا لهذا القرآن الذي جاء يصحح له قواعده وعقائده، ولا بد أن نبحث عن احتمال آخر.
(1) «مدخل إلى القرآن الكريم» للدكتور محمد عبد اللّه دراز ص (144) .