يحترم المواثيق المبرمة مع العدو مهما كانت فرص عقدها غير متكافئة، فالمعاهدة الموقعة بين الأطراف واجبة الاحترام حتى لو كانت في غير صالحنا [1] ، وحتى إذا بدأ العدو في نقض اتفاقه، فلا يحق لنا أن نهاجمه على غرة، بل يجب أولا إعلانه بإلغاء عهده معنا بطريقة واضحة، بحيث يتيسر له العلم بقرارنا [2] [3] ، هذا بخلاف القواعد التي حددتها السنة والتي نجحت - إن لم يكن في القضاء على هذه الآفة - فعلى الأقل في التخفيف من نتائجها القاسية» [4] .
وهكذا فمع تفرد القرآن بقضايا كثيرة إلا أننا نجد القضايا المشتركة بينهما فيها كثير من أوجه الخلاف، وليس غرضي هنا بالطبع المقارنة بين ما جاء في القرآن وفي التوراة من حيث موافقة العلم وشهادة التاريخ؛ لأن ذلك ليس من صميم هذا البحث، فهناك كتب كثيرة تحدثت عن تلك القضايا، وفصلت في تلك المسائل تفصيلا شافيا كافيا.
الاحتمال الرابع: أن يكون اكتسبه من رحلاته إلى الشام واليمن:
وهذا ما ذهب إليه جولدزيهر، ولا شك أن هؤلاء الذين كان يلاقيهم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في أسفارهم لم يكونوا إلا من العرب المتنصّرين فمن الثابت أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لم يذهب أبعد من سوق حباشا في تهامة، وسوق غراش في اليمن، أما بصرى الشام
(1) وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللّهِ إِذا عاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللّهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ ... (( 91 ) ) [النحل: (91) - (92) ] .
(2) وَإِمّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَاءٍ [الأنفال: (58) ] .
(3) ولقد أخطأ جولدزيهر عند ترجمة هذه الآية وكذلك كازموسكي وأيضا سفاري فترجموها بمعنى (عامله بمثل معاملته الخائنة) وهذا يتناقض مع نهاية نفس الآية: إِنَّ اللّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ (( 58 ) ).
(4) «مدخل إلى القرآن الكريم» د. محمد عبد اللّه دراز ص (106) - (113) .