فلقد ذهب لها بادئ بدء في صغر سنه، وكان أكثر الذين يلاقيهم في طريقه من العرب، وهؤلاء العرب كانوا بين عابدي وثن، وبين معتنقي النصرانية، وعباد الأوثان ليس عندهم ما يزيد على مجتمع مكة، وعلى هذا فمعرفتهم عن الدين والأنبياء معرفة محدودة ساذجة، وقد أشرنا في بعض قضايا هذا الكتاب من قبل، بأن القصص القرآني، لم يكن للعرب معرفة فيه، اللهم إلا معرفة إجمالية لبعض هذا القصص، وذكرنا هناك شواهد من القرآن نفسه؛ ولو كان في صحة هذه الشواهد أدنى ارتياب لوجدنا من ينكر هذا على القرآن، نجد هذا في مثل قوله سبحانه: ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ [آل عمران: (44) ] ، تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هاذا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ [هود: (49) ] .
أما العرب الذين اعتنقوا النصرانية، فلم يكن عندهم على الأرجح شيء أكثر من إخوانهم الوثنيين، ولهذا يقول سيدنا عليّ عن نصارى تغلب: لم يأخذوا من النصرانية إلا شرب الخمر، ولو ذهبنا إلى أبعد الاحتمالات وافترضنا أصعب الفروض وأبعدها فإننا لن نجد عند هؤلاء ما يعطونه مهما كان قدره وقيمته.
لقد كان هؤلاء لا يلوون على شيء، اللهم إلا حكايات وخرافات وأباطيل وأساطير جاء القرآن يندد بها ويعنف عليها. يقول ج. سال: «إذا قرأنا التاريخ الكنسي بعناية، فسنرى أن العالم المسيحي قد تعرض منذ القرن الثالث لمسخ صورته، بسبب أطماع رجال الدين، والانشقاق بينهم، والخلافات على أتفه المسائل، والمشاجرات التي لا تنتهي، والتي كان الانقسام يتزايد بشأنها، وكان المسيحيون في تحفزهم لإرضاء شهواتهم واستخدام كل أنواع الخبث والحقد والقسوة. قد انتهوا تقريبا إلى طرد المسيحية ذاتها من الوجود، بفعل جدالهم المستمر حول طريقة فهمها. وفي هذه العصور المظلمة بالذات ظهرت، بل وثبتت أغلب أنواع الخرافات والفساد .. ولقد وجدت الكنيسة الشرقية نفسها بعد مجمع «نيقية» ممزقة بسبب الخلافات بين أنصار أريوس وسابليوس