نزل في مكة، فلا يمكن أن يقال إذن إن القصص القرآني الذي نجد شبيها له في التوراة قد اقتبسه الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم من اليهود في المدينة، إذ هناك إجماع لا يقبل الشك على أن ذلك كان في مكة، ولم يكن منه شيء في المدينة إلا ما يتفق مع ظرف المسلمين في موطنهم الجديد.
أما غير القصص من أحكام وأخلاقيات، فلقد جاء القرآن يعنف صراحة أولئك الذين اشتروا بآيات اللّه ثمنا قليلا، فهم يضاهون قول الذين كفروا من قبل، وهم سمّاعون للكذب أكّالون للسحت: * يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْالَ النّاسِ بِالْباطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللّهِ [التوبة: (34) ] . إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة: قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (( 93 ) ) [آل عمران: (93) ] .
أما ما ادّعي من أن هناك تغيرا في الأحكام وفي بعض العبادات كالصلاة، فقد تحدثنا عنه من قبل في بعض قضايا هذا الكتاب، فلا نرى ضرورة للحديث عنه ثانية.
الافتراض الثاني: أن يكون ناتجا عن تأملاته الشخصية:
وبعد هذا التطواف فإن هذا القرآن لم يكن مكتتبا ولا مكتسبا من فرد أو جماعة أو بيئة ثقافية أو دينية، بقي الافتراض الثاني وهو أن يكون هذا القرآن ناتجا عن تأملات الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم الشخصية، وخواطره الفكرية، وسبحاته الروحية.
وهذا الافتراض لن نتعب أنفسنا في رده، ولن نطيل على القارئ كذلك.
وإذا كان الناس يختلفون حول القرآن، فإننا لن نجد اختلافا حول شخصية الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم، كيف، وهؤلاء الذين ناصبوه العداء لم يجدوا أي مطعن شخصي يمكن أن يوجهوه إليه، فهو الصادق الأمين، وهو الجواد الشجاع، وخير ما يمثل لنا صفاته هذه الكلمات التي قالتها السيدة خديجة قبل أن تعلم أنه رسول اللّه «و اللّه إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتكسب المعدوم،