وَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: (يُؤَاخِذُ) الْآيَةَ، الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُفَاعَلَةَ فِيهِ بِمَعْنَى الْفِعْلِ الْمُجَرَّدِ; فَمَعْنَى آخَذَ النَّاسَ يُؤَاخِذُهُمْ: أَخَذَهُمْ بِذُنُوبِهِمْ; لِأَنَّ الْمُفَاعَلَةَ تَقْتَضِي الطَّرَفَيْنِ. وَمَجِيئُهَا بِمَعْنَى الْمُجَرَّدِ مَسْمُوعٌ نَحْوَ: سَافَرَ وَعَافَى. وَقَوْلُهُ: «يُؤَاخِذُ» [16/ 61] ، إِنْ قُلْنَا: إِنَّ الْمُضَارِعَ فِيهِ بِمَعْنَى الْمَاضِي فَلَا إِشْكَالَ. وَإِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ بِمَعْنَى الِاسْتِقْبَالِ فَهُوَ عَلَى إِيلَاءِ لَوِ الْمُسْتَقْبَلِ وَهُوَ قَلِيلٌ; كَقَوْلِهِ: (وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ) [4/ 9] ، وَقَوْلُ قَيْسِ بْنِ الْمُلَوَّحِ:
وَلَوْ تَلْتَقِي أَصْدَاؤُنَا بَعْدَ مَوْتِنَا ... وَمَنْ دُونِ رَمْسَيْنَا مِنَ الْأَرْضِ سَبْسَبُ
لَظَلَّ صَدَى صَوْتِي وَإِنْ كُنْتُ رُمَّةً ... لِصَوْتِ صَدَى لَيْلَى يَهُشُّ وَيَطْرَبُ
وَالْجَوَابُ بِحَمْلِهِ عَلَى الْمُضِيِّ فِي الْآيَةِ تَكَلُّفٌ ظَاهِرٌ، وَلَا يُمْكِنُ بَتَاتًا فِي الْبَيْتَيْنِ، وَأَمْثِلَتُهُ كَثِيرَةٌ فِي الْقُرْآنِ وَفِي كَلَامِ الْعَرَبِ. وَقَدْ أَشَارَ لِذَلِكَ فِي الْخُلَاصَةِ بِقَوْلِهِ:
لَوْ حَرْفُ شَرْطٍ فِي مُضِيٍّ وَيَقِلُّ إِيلَاؤُهَا مُسْتَقْبَلًا، لَكِنْ قُبِلْ.