فهرس الكتاب

الصفحة 941 من 1370

قَوْلُهُ تَعَالَى:(خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ)الْآيَةَ.

قَيَّدَ تَعَالَى خُلُودَ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَأَهْلِ النَّارِ بِالْمَشِيئَةِ، فَقَالَ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا: (إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ) [11/ 107] ، ثُمَّ بَيَّنَ عَدَمَ الِانْقِطَاعِ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا، فَقَالَ فِي خُلُودِ أَهْلِ الْجَنَّةِ: (عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ)

وَقَالَ فِي خُلُودِ أَهْلِ النَّارِ: (كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا) [17/ 97] .

وَمَعْلُومٌ أَنَّ كُلَّمَا تَقْتَضِي التَّكْرَارَ بِتَكَرُّرِ الْفِعْلِ الَّذِي بَعْدَهَا.

وَقَدْ أَوْضَحْنَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ إِيضَاحًا تَامًّا فِي كِتَابِنَا «دَفْعُ إِيهَامِ الِاضْطِرَابِ عَنْ آيَاتِ الْكِتَابِ» فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: (قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ) [6/ 128] وَفِي سُورَةِ النَّبَإِ فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: (لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا) [78/ 23] . [1] .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] هذا نصه في (دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب)

قَوْلُهُ تَعَالَى: (قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ) الْآيَةَ.

هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ يُفْهَمُ مِنْهَا كَوْنُ عَذَابِ أَهْلِ النَّارِ غَيْرَ بَاقٍ بَقَاءً لَا انْقِطَاعَ لَهُ أَبَدًا وَنَظِيرُهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ [11 106 - 107] ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: (لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا [78 23] .

وَقَدْ جَاءَتْ آيَاتٌ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ عَذَابَهُمْ لَا انْقِطَاعَ لَهُ كَقَوْلِهِ: خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا [4/ 57] .

وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا مِنْ أَوْجُهٍ:

أَحَدُهَا: أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: (إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ) مَعْنَاهُ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ عَدَمَ خُلُودِهِ فِيهَا مِنْ أَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنَ الْمُوَحِّدِينَ.

وَقَدْ ثَبَتَ فَى الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ أَنَّ بَعْضَ أَهْلِ النَّارِ يَخْرُجُونَ مِنْهَا وَهُمْ أَهْلُ الْكَبَائِرِ مِنَ الْمُوَحِّدِينَ، وَنَقَلَ ابْنُ جَرِيرٍ هَذَا الْقَوْلَ عَنْ قَتَادَةَ وَالضَّحَّاكِ وَأَبِي سِنَانٍ وَخَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَغَايَةُ «مَا» فِي هَذَا الْقَوْلِ إِطْلَاقُ «مَا» وَإِرَادَةُ مَنْ وَنَظِيرُهُ فِي الْقُرْآنِ: فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ [4 3]

الثَّانِي: أَنَّ الْمُدَّةَ الَّتِي اسْتَثْنَاهَا اللَّهُ هِيَ الْمُدَّةُ الَّتِي بَيْنَ بَعْثِهِمْ مِنْ قُبُورِهِمْ وَاسْتِقْرَارِهِمْ فِي مَصِيرِهِمْ قَالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ أَيْضًا.

الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ قَوْلَهُ: (إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ) فِيهِ إِجْمَالٌ وَقَدْ جَاءَتِ الْآيَاتُ وَالْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ مُصَرِّحَةً بِأَنَّهُمْ خَالِدُونَ فِيهَا أَبَدًا، وَظَاهِرُهَا أَنَّهُ خُلُودٌ لَا انْقِطَاعَ لَهُ، وَالظُّهُورُ مِنَ الْمُرَجِّحَاتِ فَالظَّاهِرُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمُجْمَلِ، كَمَا تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت