واعلم أن المبهم أعم من المجمل عموما مطلقا، فكل مجمل مبهم، وليس كل مبهم مجملا، فمثل قولك لعبدك: تصدّق بهذا الدرهم على رجل، فيه إبهام وليس مجملا؛ لأن معناه لا إشكال فيه، لأن كل رجل تصدّق عليه به حصل به المقصود، والدليل على أن المجمل هو ما ذكرنا أن اللفظ لا يخلو من أحد أمرين: إما أن يدل على معنى واحد لا يحتمل غيره فهو النص نحو: تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ) [البقرة: 196] .
وإما أن يحتمل غيره، وهذا له حالتان: الأولى: أن يكون أحد المحتملين أظهر.
والثانية: أن يتساويا بأن لا يكون أحدهما أظهر من الآخر، فإن كان أحد المعنيين أظهر فهو الظاهر ومقابله محتمل، وإن استويا فهو المجمل كما ذكرنا. وحكم النص أنه لا يعدل عنه إلا بنسخ، وحكم الظاهر أنه لا يعدل عنه إلا بدليل أقوى منه يدل على صرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه إلى المحتمل المرجوح، وحكم المجمل أن يتوقف فيه حتى يدل دليل مبين للمقصود من المحتملين، وصرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه إلى المحتمل المرجوح هو المعروف في اصطلاح أهل الأصول بالتأويل، وسيأتى إيضاح أنواع التأويل كلها إن شاء اللّه تعالى في آل عمران.
واعلم أن اللفظ قد يكون واضح الدلالة من وجه مجملا من وجه آخر كقوله تعالى: (وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ) [الأنعام: 141] فإنه واضح في إيتاء الحق، مجمل في مقداره؛ لاحتماله النصف أو أقل أو أكثر، وإلى هذا أشار في مراقي السعود بقوله: (وقد يجي الإجمال من وجه ومن ... وجه يراه ذا بيان من فطن
وأما البيان فهو لغة: اسم مصدر بمعنى التبيين، وهو الإيضاح والإظهار كالسلام بمعنى التسليم، والكلام بمعنى التكليم، والطلاق بمعنى التطليق، وقد يطلق على المبين، والمبين بالكسر والفتح، ومن أهل الأصول من يطلق البيان على كل إيضاح سواء أتقدمه خفاء أم لا، وكثير من الأصوليين لا يطلقون البيان بالاصطلاح الأصولي إلا على إظهار ما كان فيه خفاء وعليه درج في مراقي السعود بقوله معرفا للبيان في الاصطلاح: تصيير مشكل من الجلي ... وهو واجب على النبي
إذا أريد فهمه وهو بما ... من الدليل مطلقا يجلو العمى
فكل ما يزيل الإشكال يسمى بيانا في الاصطلاح بمعنى المبين بالكسر، وسترى إن شاء اللّه في هذا الكتاب المبارك من أنواع البيان وأنواع ما به البيان ما فيه كفاية.