فهرس الكتاب

الصفحة 8 من 1370

الهدهد مقررا له: (فَقالَ أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ(22) إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ) [النمل: 22 - 23] الآية-. ومثال الإجمال بسبب الإبهام في صلة موصول قوله تعالى: (أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ) [المائدة: 1] فقد أبهم هنا هذا المتلو عليهم الذي هو صلة الموصول ولكنه بينه بقوله: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ) [المائدة: 3] الآية-. ومن أمثلته قوله تعالى: (صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) [الفاتحة: 7] فإنه أبهم هنا هؤلاء الذين أنعم عليهم، ولكنه بين المراد بهم بقوله: (فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقًا(69) [النساء: 69] . ومن أمثلته قوله تعالى: (وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ) [الأحزاب: 37] فإنه هنا أبهم هذا الذي أخفاه صلّى اللّه عليه وسلم في نفسه وأبداه اللّه، ولكنه أشار إلى أن المراد به زواجه زينب بنت جحش حيث أوحى إليه ذلك وهى في ذلك الوقت تحت زيد بن حارثة، لأن زواجه إياها هو الذي أبداه اللّه بقوله: (أَنْ تَخْشاهُ فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَرًا زَوَّجْناكَها) [الأحزاب: 37] ، وهذا هو التحقيق في معنى الآية الذي دل عليه القرآن، وهو اللائق بجنابه صلّى اللّه عليه وسلم، وبه تعلم أن ما يقوله كثير من المفسرين من أن ما أخفاه في نفسه صلّى اللّه عليه وسلم وأبداه اللّه وقوع زينب في قلبه ومحبته لها وهي تحت زيد، وأنها سمعته قال: ( «سبحان مقلّب القلوب» «1» إلى آخر القصة، فإنه كله لا صحة له، والدليل عليه أن اللّه لم يبد من ذلك شيئا مع أنه صرح بأنه مبدي ما أخفاه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم.

وسترى إن شاء اللّه تحقيق المقام في هذه المسألة في سورة الأحزاب، ومثال الإبهام في معنى حرف قوله تعالى: (أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ) [البقرة: 254] فإن لفظة من فيه للتبعيض ولكن هذا البعض المدلول عليه بحرف التبعيض المأمور بإنفاقه مبهم هنا، وقد بينه تعالى بقوله: (وَيَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ) [البقرة: 219] الآية- والعفو الزائد على الحاجة الضرورية- وسترى إيضاحه في أول سورة البقرة إن شاء اللّه تعالى.

ومن أنواع البيان في هذا الكتاب المبارك بيان الإجمال الواقع بسبب احتمال في مفسر الضمير وهو كثير، ومن أمثلته قوله تعالى في سورة العاديات: (وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ(7) [العاديات: 7] فإن الضمير يحتمل أن يكون عائدا إلى الإنسان، وأن يكون عائدا إلى رب الإنسان المذكور في قوله: (إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ(6) [العاديات: 6] ولكن النظم الكريم يدل على عوده إلى الإنسان وإن كان كان هو الأول في اللفظ بدليل قوله بعده: وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (8) [العاديات: 8] فإنه للإنسان بلا نزاع، وتفريق الضمائر بجعل الأول للرب والثاني للإنسان لا يليق بالنظم الكريم.

ومن أنواع البيان التي تضمنها هذا الكتاب المبارك أن يذكر شيء في موضع ثم يقع

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي 14/ 190.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت