فهرس الكتاب

الصفحة 557 من 1370

قَوْلُهُ تَعَالَى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ)

قَدْ يَتَوَهَّمُ الْجَاهِلُ مِنْ ظَاهِرِ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ عَدَمَ وُجُوبِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَلَكِنَّ نَفْسَ الْآيَةِ فِيهَا الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ فِيمَا إِذَا بَلَغَ جَهْدَهُ فَلَمْ يَقْبَلْ مِنْهُ الْمَأَمُورُ، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: (إِذَا اهْتَدَيْتُمْ) [5/ 105] ; لِأَنَّ مَنْ تَرَكَ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ لَمْ يَهْتَدِ، وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا حُذَيْفَةُ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُمَا الْأَلُوسِيُّ فِي «تَفْسِيرِهِ» ، وَابْنُ جَرِيرٍ، وَنَقَلَهُ الْقُرْطُبِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَأَبِي عُبَيْدٍ الْقَاسِمِ بْنِ سَلَّامٍ، وَنَقَلَ نَحْوَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، مِنْهُمُ ابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ مَسْعُودٍ.

فَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ قَالَ: إِذَا اهْتَدَيْتُمْ، أَيْ: أَمَرْتُمْ فَلَمْ يُسْمَعْ مِنْكُمْ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يَدْخُلُ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ فِي الْمُرَادِ بِالِاهْتِدَاءِ فِي الْآيَةِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ جِدًّا وَلَا يَنْبَغِي الْعُدُولُ عَنْهُ لِمُنْصِفٍ.

وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ تَارِكَ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ غَيْرُ مُهْتَدٍ، أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَقْسَمَ أَنَّهُ فِي خُسْرٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) [103/ 1، 2، 3] ، فَالْحَقُّ وُجُوبُ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَبَعْدَ أَدَاءِ الْوَاجِبِ لَا يَضُرُّ الْآمِرَ ضَلَالُ مَنْ ضَلَّ، وَقَدْ دَلَّتِ الْآيَاتُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً) [8/ 25] ، وَالْأَحَادِيثُ عَلَى أَنَّ النَّاسَ إِنْ لَمْ يَأْمُرُوا بِالْمَعْرُوفِ، وَلَمْ يَنْهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ، عَمَّهُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت