وَالزَّانِي) [النور: 2] بمفهوم الموافقة في قوله: (فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ) [النساء: 25] فإنه يفهم من مفهوم موافقته أن العبد الذكر كالأمة في ذلك يجلد خمسين، فيبين هذا المفهوم أن المراد بالزاني خصوص الحر.
واعلم أن مثل هذا من مفهوم الموافقة يسميه الشافعي وبعض الأصوليين قياسا، وهو المعروف عندهم بالقياس في معنى الأصل، ويسمى مفهوم الموافقة، وإلغاء الفارق، وتنقيح المناط، وأكثر أهل الأصول على أنه مفهوم وليس بقياس، كما سترى تحقيقه في مواضع من هذا الكتاب إن شاء اللّه تعالى. ومن أمثلة بيان المنطوق بالمفهوم قوله في الخمر: رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ) [المائدة: 90] ، فإنه يدل على أنها نجسة العين؛ لأن الرجس هو المستقذر الخبيث، ويدل له مفهوم قوله في شراب الآخرة: وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَرابًا طَهُورًا (21) [الإنسان: 21] ؛ فإن مفهومه أن خمر أهل الدنيا ليست كذلك كما قاله الفراء وغير واحد، وسترى إيضاحه في المائدة إن شاء اللّه تعالى.
الرابعة: بيان مفهوم بمفهوم ومثاله قوله تعالى: (يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ(21) [المائدة: 21] على القول بأن المراد بالمحصنات الحرائر، كما روي عن مجاهد، فإنه يدل بمفهومه على أن الأمة الكتابية لا يجوز نكاحها، ويدل لهذا أيضا مفهوم قوله تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ) [النساء: 25] ، فمفهوم قوله المؤمنات يدل على منع تزويج الإماء الكافرات ولو عند الضرورة، وهو بيان مفهوم بمفهوم كما ترى.
واعلم- وفقني اللّه وإياك لما يحبه ويرضاه- أن هذا الكتاب المبارك تضمن أنواعا كثيرة جدا من بيان القرآن بالقرآن غير ما ذكرنا، تركنا ذكر غير هذا منها خوف إطالة الترجمة، والمقصود بما ذكرنا من الأمثلة مطلق بيان كثرة الأنواع التي تضمنها واختلاف جهاتها- وفي البعض تنبيه لطيف على الكل- والغرض أن يكون الناظر في الترجمة على بصيرة مما يتضمنه الكتاب في الجملة قبل الوقوف على جميع ما فيه.
مقدمة في تعريف الإجمال والبيان في اصطلاح أهل الأصول
اعلم أولا أن المجمل في اللغة: هو المجموع، وجملة الشيء مجموعه، وأما في الاصطلاح فقد اختلفت فيه عبارات أهل الأصول، والتحقيق: أنه هو ما احتمل معنيين أو أكثر من غير ترجح لواحد منهما أو منها على غيره، وعرّفه في مراقي السعود بقوله: (وذو وضوح محكم والمجمل ... هو الذي المراد منه يجهل