قَوْلُهُ تَعَالَى: (خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا ) ) الْآيَةَ
قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: هُوَ مِنَ السَّمْعِ بِمَعْنَى الْإِجَابَةِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: سَمْعًا وَطَاعَةً؛ أَيْ: إِجَابَةً وَطَاعَةً، وَمِنْهُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ - فِي الصَّلَاةِ - أَيْ: أَجَابَ دُعَاءَ مَنْ حَمِدَهُ، وَيَشْهَدُ لِهَذَا الْمَعْنَى قَوْلُهُ: (إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ) ) [24/ 51] وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ.
وَقِيلَ: إِنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ (وَاسْمَعُوا) أَيْ: بِآذَانِكُمْ وَلَا تَمْتَنِعُوا مِنْ أَصْلِ الِاسْتِمَاعِ.
وَيَدُلُّ لِهَذَا الْوَجْهِ: أَنَّ بَعْضَ الْكُفَّارِ رُبَّمَا امْتَنَعَ مِنْ أَصْلِ الِاسْتِمَاعِ خَوْفَ أَنْ يَسْمَعَ كَلَامَ الْأَنْبِيَاءِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى عَنْ نُوحٍ مَعَ قَوْمِهِ: (وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا ) ) [71/ 7] .
وَقَوْلِهِ عَنْ قَوْمِ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ ) ) [41/ 26] ، وَقَوْلِهِ: (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا ) ) [22/ 72]
وَقَوْلِهِ: (قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا ) ) [2/ 93] ; لِأَنَّ السَّمْعَ الَّذِي لَا يُنَافِي الْعِصْيَانَ هُوَ السَّمْعُ بِالْآذَانِ دُونَ السَّمْعِ بِمَعْنَى الْإِجَابَةِ.