الظَّاهِرُ فِي قَوْلِهِ: (مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ) أَنَّهُ مُضَمَّنٌ مَعْنَى مَا وَصَّاكُمْ بِهِ فِعْلًا، أَوْ تَرْكًا; لِأَنَّ كُلًّا مِنْ تَرْكِ الْوَاجِبِ، وَفِعْلِ الْحَرَامِ حَرَامٌ، فَالْمَعْنَى وَصَّاكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا، وَأَنْ تُحْسِنُوا بِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا.
وَقَدْ بَيَّنَ تَعَالَى أَنَّ هَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: (ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ) الْآيَةَ [6/ 185] .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ) الْآيَةَ.
نَهَى اللَّهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ عَنْ قَتْلِ الْأَوْلَادِ مِنْ أَجْلِ الْفَقْرِ الْوَاقِعِ بِالْفِعْلِ; وَنَهَى فِي سُورَةِ الْإِسْرَاءِ عَنْ قَتْلِهِمْ خَشْيَةَ الْفَقْرِ الْمُتَرَقَّبِ الْمَخُوفِ مِنْهُ، مَعَ أَنَّهُ غَيْرُ وَاقِعٍ فِي الْحَالِ، بِقَوْلِهِ: (وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ) [17/ 31] ، وَقَدْ أَوْضَحَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعْنَاهُ حِينَ سَأَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ؟ فَقَالَ:"أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ"قَالَ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ:"أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ خَشْيَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ"قَالَ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ:"أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ"ثُمَّ تَلَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ) الْآيَةَ [25/ 68] ."