خَوَّفَ اللَّهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ الْكُفَّارَ الَّذِينَ كَذَّبُوهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بِأَنَّهُ أَهْلَكَ كَثِيرًا مِنَ الْقُرَى بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمُ الرُّسُلَ، فَمِنْهُمْ مَنْ أَهْلَكَهَا بَيَاتًا، أَيْ: لَيْلًا، وَمِنْهُمْ مَنْ أَهْلَكَهَا وَهُمْ قَائِلُونَ، أَيْ فِي حَالِ قَيْلُولَتِهِمْ، وَالْقَيْلُولَةُ: الِاسْتِرَاحَةُ وَسَطَ النَّهَارِ. يَعْنِي: فَاحْذَرُوا تَكْذِيبَ رَسُولِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِئَلَّا أُنْزِلَ بِكُمْ مِثْلَ مَا أَنْزَلْتُ بِهِمْ، وَأَوْضَحَ هَذَا الْمَعْنَى فِي آيَاتٍ أُخَرَ كَقَوْلِهِ: (وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) [6/ 10] ، وَقَوْلِهِ: (فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ) [22/ 45] ، وَقَوْلِهِ: (وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ) [28/ 58] ، وَقَوْلِهِ: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ) ،
ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّهُ يُرِيدُ تَهْدِيدَهُمْ بِذَلِكَ بِقَوْلِهِ: (وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا) إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.
وَقَدْ هَدَّدَ تَعَالَى أَهْلَ الْقُرَى بِأَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُهُ لَيْلًا فِي حَالَةِ النَّوْمِ، أَوْ ضُحًى فِي حَالَةِ اللَّعِبِ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ) [7/ 97، 98] ، وَهَدَّدَ أَمْثَالَهُمْ مِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: (أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ) [16/ 45، 46، 47]