سؤال عنه وجواب في موضع آخر كقوله تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ) [الفاتحة:
2]فإنه لم يبين هنا ما المراد بالعالمين، ولكنه وقع سؤال عنهم وجواب في موضع آخر، وهو قوله تعالى: (قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ(23) قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا) [الشعراء: 23 - 24] الآية- وسؤال فرعون هذا- لعنه اللّه- وإن كان في الأصل عن الرب جل وعلا، فقد دخل فيه الجواب عن المراد بالعالمين كما ترى، ومن أمثلته قوله تعالى: (مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ(4) [الفاتحة: 4] فإنه لم يبينه هنا مع أنه وقع سؤال عنه وجواب في موضع آخر وهو قوله وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ (17) ثُمَّ ما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ (18) يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا) [الانفطار: 17 - 19] الآية.
ومن أنواع البيان التي تضمنها هذا الكتاب المبارك أن يكون الظاهر المتبادر من الآية بحسب الوضع اللغوي غير مراد بدليل قرآني آخر على أن المراد غيره ومثاله قوله تعالى: (الطَّلاقُ مَرَّتانِ) [البقرة: 229] الآية- فإن ظاهره المتبادر منه أن الطلاق كله محصور في المرتين، ولكنه تعالى بين أن المراد بالمحصور في المرتين خصوص الطلاق الذي تملك بعده الرجعة بقوله: (فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ) [البقرة: 230] ، ومن أمثلته قوله تعالى: (وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ) [الأنعام: 152] ، فإن المتبادر من مفهوم الغاية أنه إذا بلغ أشده، فلا مانع من قربان ماله بغير التي هي أحسن، ولكنه تعالى بين أن المراد بالغاية أنه إن بلغها يدفع إليه ماله إن أونس منه الرشد، وذلك في قوله: (حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا) [النساء: 6] الآية.
ومن أنواع البيان التي تضمنها هذا الكتاب المبارك أن يقول بعض العلماء في الآية قولا، ويكون في نفس الآية قرينة تدل على بطلان ذلك القول، ومثاله قول أبي حنيفة- رحمه اللّه- إن المسلم يقتل بالكافر الذمّيّ مثلا قائلا إن ذلك يفيده عموم النفس بالنفس في قوله: (وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ) [المائدة: 45] الآية- فإن قوله تعالى في آخر الآية: فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ) [المائدة: 45] الآية- قرينة على عدم دخول الكافر، لأن صدقته لا تكفر عنه شيئا إذ لا تنفع الأعمال الصالحة مع الكفر، كما سترى تحقيقه في المائدة إن شاء اللّه تعالى. ومن أمثلته قول الحسن البصري- رحمه اللّه- إن المراد بابني آدم في قوله: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبا قُرْبانًا) [المائدة: 27] الآية- رجلان من بني إسرائيل، فإن قوله تعالى: (فَبَعَثَ اللَّهُ غُرابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ) [المائدة: 31] الآية- دليل على أن ذلك وقع في مبدأ الأمر قبل أن يعلم الناس دفن الموتى، أما في زمن بني إسرائيل فلا يخفى دفن الموتى على أحد، ولا يحتاج إسرائيلي البتة إلى تعلّم دفن الميت من الغراب كما هو ظاهر. ومن أمثلته قول مجاهد- رحمه اللّه- إن المراد بقوله: (وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ) [المائدة: 95] أنه متعمد