يستعد العدو إدا علم ويعظم الفساد، ولذلك لما أراد عليه الصلاة والسلام قتالهم قطع الأخبار عنهم حتى دهمهم، وكان ذلك أيسر لغلبتهم وقهرهم، وإلى هذا أشار في المراقي بقوله: (وجائز عدم تبليغ له ... ودرء ما يخشى أبى تعجيله
والضمير في قوله: (له) عائد إلى الاحتياج في البيت المذكور قبله أي جائز تأخير التبليغ إلى وقت الاحتياج له.
المسألة الرابعة: لا يشترط في البيان أن يعلمه جميع المكلفين الموجودين في وقته، بل يجوز أن يكون بعضهم جاهلا به ودليله الوقوع، فقد جاءت فاطمة الزهراء والعباس- رضي اللّه عنهما- أبا بكر- رضي اللّه عنه- يطلبان ميراثهما من النبي صلّى اللّه عليه وسلم متمسكين بعموم (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ) [النساء: 11] الآية- وعموم (وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ) [النساء: 22] ولم يعلما أنه صلّى اللّه عليه وسلم بيّن أن هذا العموم لا يتناول الأنبياء صلوات اللّه عليهم وسلامه بقوله: «إنّا معاشر الأنبياء لا نورث» «1» لحديث- وإلى هذه المسألة أشار في المراقي بقوله: ونسبة الجهل لذي وجود ... بما يخصص من الموجود
وسمّيته: «أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن» ، وهذا أوان الشروع في المقصود.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أخرجه عن أبي هريرة: البخاري في الوصايا حديث 2776، ومسلم في الجهاد والسير حديث 55، وأحمد في المسند 2/ 463، وأخرجه عن عائشة: البخاري في الفرائض حديث 6730، ومسلم في الجهاد حديث 51.