وَفِي مَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ قَوْلَانِ آخَرَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ مَعْنَاهَا أَنَّهُ جَعَلَكُمْ مُتَفَاوِتِينَ فِي الرِّزْقِ; فَرَزَقَكُمْ أَفْضَلَ مِمَّا رَزَقَ كَلِمَةً وَاحِدَةً، وَهُمْ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ; فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ تَرُدُّوا فَضْلَ مَا رُزِقْتُمُوهُ عَلَيْهِمْ، حَتَّى تَسَاوَوْا فِي الْمَلْبَسِ وَالْمَطْعَمِ; كَمَا ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّهُ أَمَرَ مَالِكِي الْعَبِيدِ أَنْ يُطْعِمُوهُمْ مِمَّا يَطْعَمُونَ، وَيَكْسُوهُمْ مِمَّا يَلْبَسُونَ"، وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: (فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ) [16/ 71] ، لَوْمٌ لَهُمْ، وَتَقْرِيعٌ عَلَى ذَلِكَ."
الْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ مَعْنَى الْآيَةِ أَنَّهُ - جَلَّ وَعَلَا - هُوَ رَازِقُ الْمَالِكِينَ وَالْمَمْلُوكِينَ جَمِيعًا; فَهُمْ فِي رِزْقِهِ سَوَاءٌ، فَلَا يَحْسَبَنَّ الْمَالِكُونَ أَنَّهُمْ يَرُدُّونَ عَلَى مَمَالِيكِهِمْ شَيْئًا مِنَ الرِّزْقِ، فَإِنَّمَا ذَلِكَ رِزْقُ اللَّهِ يُجْرِيهِ لَهُمْ عَلَى أَيْدِيهِمْ. وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ: هُوَ الْأَظْهَرُ وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ،
وَيَدُلُّ لَهُ الْقُرْآنُ كَمَا بَيَّنَّا. وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.