بِنَصْبِ الْأَدِلَّةِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ) [67/ 8، 9] ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ) [39/ 71] ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ لَفْظَةَ: كُلَّمَا، فِي قَوْلِهِ: (كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ)
صِيغَةُ عُمُومٍ، وَأَنَّ لَفْظَةَ: الَّذِينَ، فِي قَوْلِهِ: (وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا)
صِيغَةُ عُمُومٍ أَيْضًا; لِأَنَّ الْمَوْصُولَ يَعُمُّ كُلَّ مَا تَشْمَلُهُ صِلَتُهُ.
وَأَمَّا السُّنَّةُ: فَإِنَّهُ قَدْ دَلَّتْ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ عَلَى أَنَّ اللَّهَ أَخْرَجَ ذُرِّيَّةَ آدَمَ فِي صُورَةِ الذَّرِّ فَأَخَذَ عَلَيْهِمُ الْمِيثَاقَ كَمَا ذَكَرَ هُنَا، وَبَعْضُهَا صَحِيحٌ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ: قَالَ أَبُو عُمَرَ، يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الْبَرِّ، لَكِنَّ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ قَدْ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ وُجُوهٍ ثَابِتَةٍ كَثِيرَةٍ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ وَغَيْرِهِمُ اهـ. مَحَلُّ الْحَاجَةِ مِنْهُ بِلَفْظِهِ، وَهَذَا الْخِلَافُ الَّذِي ذَكَرْنَا هَلْ يُكْتَفَى فِي الْإِلْزَامِ بِالتَّوْحِيدِ بِنَصْبِ الْأَدِلَّةِ، أَوْ لَا بُدَّ مِنْ بَعْثِ الرُّسُلِ لِيُنْذِرُوا؟ هُوَ مَبْنَى الْخِلَافِ الْمَشْهُورِ عِنْدَ أَهْلِ الْأُصُولِ فِي أَهْلِ الْفَتْرَةِ، هَلْ يَدْخُلُونَ النَّارَ بِكُفْرِهِمْ؟ وَحَكَى الْقَرَافِيُّ عَلَيْهِ الْإِجْمَاعَ وَجَزَمَ بِهِ النَّوَوِيُّ فِي"شَرْحِ مُسْلِمٍ"، أَوْ يُعْذَرُونَ بِالْفَتْرَةِ وَهُوَ ظَاهِرُ الْآيَاتِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا، وَإِلَى هَذَا الْخِلَافِ أَشَارَ فِي"مَرَاقِي السُّعُودِ"بِقَوْلِهِ:
ذُو فَتْرَةٍ بِالْفَرْعِ لَا يُرَاعُ وَفِي الْأُصُولِ بَيْنَهُمْ نِزَاعُ وَقَدْ حَقَّقْنَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مَعَ مُنَاقَشَةِ أَدِلَّةِ الْفَرِيقَيْنِ فِي كِتَابِنَا (دَفْعِ إِيهَامِ الِاضْطِرَابِ عَنْ آيَاتِ الْكِتَابِ) فِي سُورَةِ"بَنِي إِسْرَائِيلَ"فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) ، وَلِذَلِكَ اخْتَصَرْنَاهَا هُنَا [1] .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] هذا نصه في (دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب)
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا.
هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ فِيهَا التَّصْرِيحُ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُعَذِّبُ أَحَدًا حَتَّى يُنْذِرَهُ عَلَى أَلْسِنَةِ رُسُلِهِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.
وَنَظِيرُهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: (رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [4/ 165] .
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ) الْآيَةَ [20/ 134] .
وَقَوْلُهُ: ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ [6/ 131] ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.
وَيُؤَيِّدُهُ تَصْرِيحُهُ تَعَالَى بِأَنَّ كُلَّ أَفْوَاجِ أَهْلِ النَّارِ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ فِي دَارِ الدُّنْيَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا) الْآيَةَ [67/ 8 - 9] .
وَمَعْلُومٌ أَنْ «كُلَّمَا» صِيغَةُ عُمُومٍ وَنَظِيرُهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا - إِلَى قَوْلِهِ - قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ [39/ 71] .
فَقَوْلُهُ: وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا يَعُمُّ كُلَّ كَافِرٍ لِمَا تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ، مِنْ أَنَّ الْمَوْصُولَاتِ مِنْ صِيَغِ الْعُمُومِ لِعُمُومِهَا كُلَّمَا تَشْمَلُهُ صِلَاتُهَا، كَمَا أَشَارَ لَهُ فِي مَرَاقِي السُّعُودِ بِقَوْلِهِ:
صِيغَةُ كُلٍّ أَوِ الْجَمِيعِ ... وَقَدْ تَلَا الَّذِي الَّتِي الْفُرُوعُ
وَمَعْنَى قَوْلِهِ: «وَقَدْ تَلَا الَّذِي إلخ. . .» أَنَّ الَّذِي وَالَّتِي وَفُرُوعَهَا صِيَغُ عُمُومٍ كَكُلٍّ وَجَمِيعٍ.
وَنَظِيرُهُ أَيْضًا قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا - إِلَى قَوْلِهِ - وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ [35/ 37] ،