وقد حصل للمفهوم اللفظي شيء من التطوير مع تطور النظرة إلى التنصير منذ بعثة عيسى ابن مريم - عليهما السلام - ، فلم يكن هذا المفهوم حديث الإطلاق ، وليس هو ظاهرة جديدة ، بل لقد بدأ التنصير مع ظهور النصرانية ، حيث كان مطلبا جاء به الإنجيل لنشر الدين النصراني - وليس المسيحي - . (1) وقد هاجرت طائفة من النصارى يقال لها النساطرة (2) من الرها (3) بعد أن أغلقت مدرستهم فيها ، مدرسة الرها ، على يد زينون (4)
سنة 439 م ، فهاجرت الطائفة تحت قيادة بارسوما (5) سنة 457م إلى فارس ، وأنشأت فيها مدرسة نصيبين ، (6) وانتشرت من هذه المدرسة حملات التنصير على الطريقة النسطورية إلى جوف آسيا وبلاد العرب . وقد استعانت هذه الحملات التنصيرية بالفلسفة اليونانية [ الإغريقية ] لنشر التعاليم الخاصة حول طبيعة المسيح عيسى ابن مريم عليهما السلام (7) .
(1) من أجل الاستقرار على المصطلحات والدلالات يرجع إلى محمد عثمان بن صالح . النصرانية والتنصير أم المسيحية والتبشير: دراسة مقارنة حول المصطلحات والدلالات . - المدينة المنورة: مكتبة ابن القيم ، 1410 هـ - 1989 م . - ص 69 -. حيث يؤكد المؤلف أن المصطلحات التي ينبغي اعتمادها عند الحديث عن هذا الموضوع هي النصرانية والتنصير لا المسيحية والتبشير . ، ويقدم الأدلة العلمية المقنعة لهذا الاختيار .
(2) النساطرة أو النسطورية ينسبون إلى نسطور ، يقولون إن الله تعالى ثلاثة أشياء أب وابن وروح القدس كلها لم تزل ، وأن عيسى بن مريم - عليهما السلام - إله تام كله وإنسان تام كله ، وليس أحدهما غير الآخر . وأن الإنسان من عيسى بن مريم - عليهما السلام - هو الذي صلب وقتل . وأن مريم - عليها السلام - ولدت الإنسان ولم تلد الإله ، وأن الله تعالى هو الذي ولد الإله ، وكانت هذه الفرقة غالبة في الموصل والعراق وفارس وخراسان . انظر ابن حزم الظاهري ، أبو محمد علي بن أحمد . الفصل في الملل والنحل . - 5 مج . - د . م .: دار الفكر ، 1400 هـ - 1980م . - 1 / 49 . ولد نسطور ( نحو 380 - 451 م ) في قيصرية بسورية . وقد حرمه مجمع أفسس المسكوني سنة 431 هـ ونفي إلى مصر ، ولكن مذهبه استمر . انظر محمد أبو زهرة . محاضرات في النصرانية: تبحث في الأدوار التي مرت عليها عقائد النصارى وفي كتبهم وفي مجامعهم المقدسة وفرقهم . - ط 4 . - الرياض: الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد ، 1404هـ . - ص 165 - 167 .
(3) الرها مدينة بالجزيرة بين الشام والموصل . وهي بالرومية ( أذاسا ) ، بناها الملك «سلوتس» في السنة السادسة من موت الإسكندر مع اللاذقية وسلوقية وأفامية وحلب . انظر ياقوت الحموي . معجم البلدان . - 5 مج . - بيروت: دار صادر ، د . ت . - 1 / 127 - 128 و 3 / 106 - 107 .
(4) زينون إمبراطور بيزنطي ( نحو 426 - 491 م ) حكم من سنة 474 م إلى وفاته . وقد واجهته قلاقل وثورات بسبب الفتن الدينية في عصره انظر: FUNK AND WAGNALLS NEW ENCYCLOPEDIA . - 27 VOLS . - NEW YUORK: FUNK AND WAGNALLS . 1975 . - 25.
(5) بارسوما أو بارصوما أو برصوم أو برصوما ( نحو 420 - 495 م ) كاتب سرياني تبع النسطورية ، وصار أسقف نصيبين نحو 450 م ، فنقل إليها مدرسة الرها ، وعمل على إشاعة النسطورية في بلاد فارس . انظر: المنجد في الأعلام . - ط 2 . - بيروت: دار المشرق ، 1969 م . - ص 86 . وإنما اعتمدت على المنجد في هذا المجال لأنه يخدم هذه النوعية من الأعلام ، رغم النزعة النصرانية في المعلومات التي يقدمها في القسم اللغوي وقسم الأعلام . انظر في نقد المنجد: إبراهيم عوض . النزعة النصرانية في قاموس المنجد . - الطائف: دار الفرقان ، 1411هـ - - 1991 م . - ص 51 ،
(6) نصيبين مدينة من بلاد الجزيرة يروي « ياقوت» عنها أثرا عن الرسول صلى الله عليه وسلم - فيه دعاء بفتحها وجعلها بركة للمسلمين . وقد فتحها القائد المسلم عياض بن غنم - رضي الله عنه - ، واشتهرت بمدرستها السريانية . انظر ياقوت الحموي . معجم البلدان . - مرجع سابق - 5 / 288 - 289 .
(7) يقول إسماعيل مظهر: « ولم يكونوا عاملين على نشر المسيحية فقط ، بل أرادوا أن ينشروا منها تعاليمهم الخاصة في طبيعة المسيح ، فأخذوا يستعينون على بث أفكارهم بأقوال ومذاهب منتزعة من الفلسفة اليونانية . فأصبح كل مبشر نسطوري بالضرورة معلما في الفلسفة اليونانية ، كما أنه مبشر بالدين المسيحي » . انظر: إسماعيل مظهر . « تاريخ تطور الفكر العربي بالترجمة والنقل من الثقافة اليونانية - 1 - » . - المقتطف مج 66 ع2 ( 3 / 3 / 1925 م ) . - ص141 - 149 .