المرحلة الرابعة: صراع الغضب المشتعل بعد فتح القسطنطينية ، يزيده اشتعالا وتوهجا وقود من لهيب البغضاء والحقد الغائر في العظام على الترك (أي المسلمين) ، وهم شبح مخيف مندفع في قلب أوربا ، يلقي ظله على كل شيء ، ويفزع كل كائن ، وإذا كانت المراحل الثلاث الأول لم تصنع للمسيحية شيئا ذا بال ، فصراع الغضب المشتعل بلهيب البغضاء والحقد هو الذي صنع لأوربا كل شيء إلى يومنا هذا ، صنع كل شيء لأنه هو الذي أدى بهم إلى يقظة شاملة قامت على الإصرار وعلى المجاهدة المثابرة على تحصيل العلم وعلى إصلاح خلل الحياة المسيحية ، ولكن لم يكن لها يومئذ من سبيل ولا مدد إلا المدد الكائن في دار الإسلام من العلم الحي عند علماء المسلمين ، العلم المسطر في كتب أهل الإسلام ، فلم يترددوا ، وبالجهاد الخارجي وبالحماسة المتوقدة ، وبالصبر الطويل ؛ انفكت أغلال القرون الوسطى بغتة عن قلب أوربا وانبعثت نهضة العصور الحديثة مستمرة إلى هذا اليوم . من يؤمئذ ، عند أول بدء اليقظة ، تحددت أهداف المسيحية الشمالية ، وتحددت وسائلها ، لم يغب عن أحد منهم قط أنهم في سبيل إعداد أنفسهم لحرب صليبية رابعة (1) .
(1) رسالة في الطريق إلى ثقافتنا ، تأليف الأستاذ محمود محمد شاكر. نشر مكتبة الخانجي ودار المدني ، 1417 هـ ، ص: 44-46 ، ويحسن بالقارئ الكريم الاطلاع على هذه الرسالة ؛ لأنها تكشف حقيقة الصراع بين المسلمين والنصارى، ولأنها تذكي في المسلم عقيدة الولاء والبراء .