فهرس الكتاب

الصفحة 146 من 415

104 - (عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ) : خُوَيْلِدُ بْنُ عَمْرٍو، وقيل بالعكس، وقيل: كَعْبُ بْنُ عَمْرٍو، وقيل: هَانِئُ بْنُ عَمْرٍو، حمَل لواءَ قومه يومَ الفَتْحِ، وكان مِنَ العُقَلاءِ.

وقد رأيتَ مَا هُنا في «البُخَارِيِّ» : (عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ أَنَّهُ قَالَ لِعَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ) ، وكذا وقعَ في «مُسْلِمٍ» ، ووقعَ في «سَيْرَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ» مِن طَرِيْقِ زِيَادٍ البَكَّائِيِّ قال: (حدَّثني سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ

ص 115

الْمَقْبُرِيُّ عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيِّ قَالَ: (لَمَّا قَدِمَ عَمْرُو بْنُ الزُّبَيْرِ مَكَّةَ لِقِتَالِ أَخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ؛ جِئْتُهُ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا هَذَا؛ إنَّا كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ افْتَتَحَ مَكَّةَ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ مِنْ يَوْمِ الْفَتْحِ ... ) ؛ الحديث، والصَّواب ما في «الصَّحِيحِ» ، والوَهَمُ في مَن دُوْنَ ابْنِ إِسْحَاقَ، وقد رَوَاهُ يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ عنهُ على الصَّوَابِ.

وقال ابْنُ المُلَقِّنِ: (ووقعَ في «سِيْرَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ» : حدثنا سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ قَالَ: «لَمَّا قَدِمَ عَمْرُو بْنُ الزُّبَيْرِ مَكَّةَ؛ قَامَ إليهِ أَبُو شُرَيْحٍ ... » ) ؛ فذكرَه، قال: (وكذَا ذَكَرَ الوَاقِدِيُّ عن رَبَاحِ بْنِ مُسْلِمٍ عن أبيهِ قال: «بُعِثَ إلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَمْرٌو أَخُوهُ، فقامَ أَبُو شُرَيْحٍ فَقَالَ لَهُ ... » ؛ الحديث، ولَا الْتِفَاتَ إلى رَدِّ السُّهَيْلِيِّ لَهُ بأنَّه وَهَمٌ مِنَ ابْنِ هِشَامٍ، فهذا ابْنُ إِسْحَاقَ هو الذي ذَكَرَهُ، وَسَنَدُهُ صحيحٌ) ، انتهى.

(الْبُعُوثَ) : جمعُ (بَعْثٍ) ؛ بمعنى: المبعوثِ، وهو مِن بابِ تسميةِ المفعولِ بالمَصدرِ.

و (أَيُّهَا الأَمِيرُ) : الأصلُ: يا أيُّها الأميرُ، فحذفَ حرف النِّدَاءِ.

(ايْذَنْ) : أصلُهُ: (اِئْذَنْ) بهمزتَين، همزة الوَصل وفاء الكلمة، فقُلِبَتِ الثانية ياءً؛ لِسُكُونِها وانكسارِ مَا قبلِها، فبقِيَت (اِيْذَنْ) .

و (يَسْفِكَ) : بكسرِ الفاءِ وَضمِّها.

و (لَا يَعْضِدَ) : (العَضْد) : القَطْعُ، وزِيدت (لَا) للتأكِيد.

و (مَرَّتَيْنِ) : متعلِّقٌ بِـ (قَالَ) مقدَّرًا؛ أي: قال رسول اللهِ مرَّتين: «أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ» ، وإنَّما قدَّرناهُ ومَا جعلناه مِن تَتِمَّةِ (قَالَ) المذكورِ في اللَّفْظِ، ولم نجعلْ (وَكَانَ مُحَمَّدٌ ... ) إلى آخرهِ جملةً معتَرَضَةً؛ لأنَّ حينئذٍ يلزمُ أن يكون مجموعُ هذا الكلامِ مَقُولًا مرَّتين، ولم يَثْبُتْ ذلك.

و (الخَرْبة) : بفتحِ الخاءِ المُعْجَمة وسكونِ الرَّاءِ، على المشهورِ في جميع الرِّواياتِ غيرَ الأصِيليِّ، فقال: بضمِّ الخاء، أي: الفِعْلَةُ الوَاحدة، ورواهُ بعضُهم: ؛ بالمُثنَّاة تحتُ، وأصلُها: سَرِقَةُ الإبل، وكذا (الخِرَابَة) ، وتُطلَق على كلِّ خِيانة، سواءٌ كانت مِنَ الإبل أو غيرها، و (الحِرَابَة) ؛ بالحاءِ المُهْملة: يُقَالُ في كلِّ شيءٍ، وسَلَفَ تفسيرُها بالسَّرِقَةِ، وفي (المَغَازِي) بـ (البَلِيَّة) [خ¦4295] ، والأوَّل رواه المُسْتَملي، وقال الخَلِيْلُ: (هي الفَسَاد في الدِّين، وهو اللِّصُّ المُفْسِد) ، وقيل: هي العَيْبُ.

إشارةٌ: قوله: (وَوَعَاهُ قَلْبِي) : يُؤخَذ منه أنَّ العقلَ محلُّهُ القلبُ، لا الدِّمَاغُ، وهو قولُ الجمهورِ؛ لأنَّه لو كان محلُّهُ الدِّمَاغَ؛ لقالَ: ووَعَاهُ رأسي، وفي المسألةِ قولٌ ثالثٌ: أنَّه مُشتَرَكٌ بينَهُمَا.

فائدةٌ: قوله: (يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ) : قد يُتَوَهَّمُ أنَّ فيه دِلَالَةً على أنَّ الكُفَّارَ ليسُوا مُخَاطَبينَ بفروعِ الشريعة، وليسَ كذلك، بل هذا مِن خِطَابِ التَّهْيِيجِ، وهو معلومٌ عند علماءِ البَيَانِ، فاستحلالُ ذلك لا يليقُ بمَن يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، بل يُنَافِيهِ، هذا هو المُقْتَضِي لذكرِ هذا الوَصْفِ، ومثلُهُ في قوله تعالى: {وَعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [المائدة:23] وغير ذلك.

فائدةٌ: في بعضِ طُرُقِهِ: «مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ» : المرادُ: القتيلُ بهذا القتلِ، لا بقتلٍ سابقٍ؛ إذِ القتيلُ لا يُقتَل، بل يُقْتَلُ الحَيُّ، ومثلُهُ في علمِ الكلامِ على سبيلِ المَغْلُطَةِ قالوا: لا يُمْكِنُ إيجادُ مَوْجُودٍ؛ لأنَّ المُوجِدَ إمَّا أنْ يُوجِدهُ في حالِ

ص 116

وُجُودِهِ، وهو تحصيلُ الحاصِلِ، وإمَّا حالَ العَدَمِ، وهو جَمْعٌ بين النَّقِيضَيْنِ، فَيُجَابُ: باختيارِ الشِّقِّ الأوَّلِ؛ إذْ ليسَ إيجَادًا للمَوْجُودِ بِوُجُودٍ سَابِقٍ؛ ليكونَ تحصِيلًا للحَاصِلِ، بل إيجادًا له بهذا الوُجُودِ.

فائدةٌ: الفَتْحُ كان في رَمَضَانَ، في السَّنةِ الثَّامِنَةِ يومَ الجُمُعَة لتسعَ عَشْرَةَ خَلَتْ منهُ، وفي «مُسْلِمٍ» : (صَبَّحَ رَسُولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مَكَّةَ لِثَلَاثَ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ) ، ثمَّ ذَكَرَ عن أَبِي سَعِيدٍ قالَ: (غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لِسِتَّ عَشْرَةَ مَضَتْ مِنْ رَمَضَانَ) ، وفي روايةٍ: (لِثَمَانِي عَشْرَةَ خَلَتْ) ، وفي روايةٍ: (ثِنْتَي عَشْرَةَ) ، وفي روايةٍ: (لِسَبْعَ عَشْرَةَ أو تِسْعَ عَشْرَةَ) ، قال النَّوَوِيُّ: (وَالْمَشْهُورُ فِي كُتُبِ الْمَغَازِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم خَرَجَ فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ مِنَ الْمَدِينَةِ لِعَشْرٍ خَلَوْنَ مِنْ رَمَضَانَ، وَدَخَلَهَا لِتِسْعَ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْهُ، وَوَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ ... ) ؛ ثمَّ أَخْلَى بَيَاضًا.

وفي كلامِ مُغْلَطَاي: (وطَافَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بالبيتِ يومَ الجُمُعَةِ لِعَشرٍ بَقِينَ مِن رَمَضَانَ) انتهى.

وقال ابْنُ القَيِّمِ: إنَّه عليه السَّلام خرجَ مِنَ المدينة إلى مكَّة في أواخرِ رمضانَ، بعد مُضِيِّ ثَمَانِي عَشْرَةَ ليلةً منه، انتهى.

ووقع في «البُخَارِيِّ» في بابِ (غَزْوَةِ الفَتْحِ) مِن كلامِ ابْنِ عَبَّاسٍ: (وَذَلِكَ عَلَى رَأْسِ ثَمَانِ سِنِين وَنِصْفٍ مِنْ مَقْدَمِهِ الْمَدِينَةَ) [خ¦4276] ، قال وَالِدِي رحمه اللهُ تعالى: (وفيه نظرٌ؛ لِمَا تقدَّم مِن أنَّه سنةَ ثمانٍ، ولا أعلمُ فيه خِلافًا، ولو كانَ كما ذَكَرَ؛ لكان الفَتْحُ في السنةِ التَّاسِعَةِ، وسواءٌ قلنا: إنَّ أوَّل التأرِيخ ربيعٌ الأوَّل شَهْرُ المَقْدَمِ، أو المحرَّم أوَّلُ سنةِ المَقْدَمِ، أو على القولِ الذي سأذكرهُ مِن أنَّهم أسقطوا بقيَّة سنةِ المَقْدَمِ، وأرَّخوا مِن ثاني سنةٍ ... ، والمشهورُ أنَّ الفتحَ كان يومَ الجُمُعَةِ، وفي كلامِ مُغْلَطَاي: «وذَكَرَ يعقوبُ عن ابْنِ عَبَّاسٍ: وُلِدَ عليه السَّلام يوم الاثنين، وخرجَ مِن مكَّة يوم الاثنينِ، ودخلَ المدينة يوم الاثنين، وفتحَ مكَّة يوم الاثنين» ) انتهى.

ورأيتُ في «الزَّهْرِ البَاسِمِ» : (وعند أَبِي مَعْشَرٍ: خرج صلَّى اللُه عليه وسلَّم لثلاثٍ خَلَونَ مِن رمضان) ، فإنْ كان سقطَ منهُ شيءٌ؛ فيُنْظَر ما هو.

وفُتِحَت مكَّة صُلْحًا، وقال أكثرُ أهلِ المَغازي: إنَّها فُتِحت عنْوَةً، وبه قال أَبُوْ حَنِيفَةَ ومَالِكٌ، وقال المَاوَرْدِيُّ: (أَسْفَلُهَا دَخَلَهُ خَالِدٌ عنْوَةً، وأَعْلَاهَا دَخَلَهُ الزُّبَيْرُ صُلْحًا، ودخلَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن جِهَتِهِ؛ فصارَ حُكْمُ جِهَتِهِ للأَغْلَب) ، انتهى.

وقُتِلَ مِن جيشِ خَالِدٍ كُرْزُ بْنُ جَابِرٍ الْفِهْرِيُّ وحُبَيْشُ بْنُ الأَشْعَرِ [خ¦3991] .

وكتبتُ إلى شيخِنا خاتِمة الحُفَّاظ شهابِ الدِّين ابْنِ حَجَرٍ رحمه اللهُ تعالى: الجَمْعُ بين رواية سَبْعَ عَشْرَة وثمان عَشْرَة وتِسْعَ عَشْرَة: مَن حَسَبَ يومَ الدُّخُولِ والخُروجِ؛ قال: تِسْعَ عَشْرَة، ومَن أسقطَ يومَ الدُّخُولِ وحَسَبَ يومَ الخُروجِ أو بالعكسِ؛ قال: ثَمَاني عَشْرَة، ومَن أَسْقَطَهُمَا؛ قال: سَبْعَ عَشْرَة، فبقيَ رواية (ثَلاثَ عَشْرَة) ، و (سِتَّ عَشْرَة) ، و (ثِنْتَي عَشْرَة) ، قال شيخُنا: (ويُمْكِنُ أن يكونَ المرادُ برواية: «ثِنْتَي عَشْرَة» و «ثَلَاثَ عَشْرَة» ؛ أي: بَقِيْنَ مِنَ الشَّهْرِ؛ فَتَلْتَئِمُ مع «سَبْعَ عَشْرَة» و «ثَمانِي عَشْرَة» ، فلا يَبْقَى بعد ذلك إلَّا رواية «سِتَّ عَشْرَة» ؛ فليُنْظَر فيها) .

إشارةٌ: لمكَّة عِدَّة أسماءٍ، ستأتي إن شاء اللُه تعالى في (بَابٌ فَضْلُ مَكَّةَ) [خ¦1582 قبل] ، وسُمِّيَت (مَكَّةَ) ؛ لقلَّة مائِها، أو لأنَّها تَمُكُّ الذنوبَ، ومِن أسمائِها: بَكَّةَ، وهي لغةٌ فيها؛ لأنَّها تَبُكُّ أعناقَ الجَبابرةِ؛ أي: تَدُقُّها، أو لازدحامِ الناسِ بها، يَبُكُّ بعضُهم بعضًا؛ أي: يدفَعُهُ في زَحْمَةِ الطَّوَافِ، وقال آخرون: إنَّ مكَّة غير بكَّة، فقيل: الأُولى: الحَرَمُ كُلُّه، والثانية: المَسْجِدُ خاصَّة، وقيل: الأُولى البَلَد، والثانية البَيْت، قيل: ومَوْضِعُ الطَّوَافِ أيضًا.

وقوله: (سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ) : في كتابِ «الأَمْوَالِ» : (هي مِن أوَّلِ النَّهَارِ إلى العَصْرِ) ، وسمعتُ شيخَنا يقول: إنَّها كذلك في «مُسْنَدِ أَحْمَدٍ» .

وهُنا (حَرَّمَهَا اللهُ) ، وفي رواية أُخرى: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ) [خ¦2129] ، والجمعُ بينهُما: أنَّهم ذَكروا في تحريمِ إبْرَاهيمَ عليه السَّلام مكَّة احتمالَين:

أحدُهما: أنَّه حرَّمها بأمرِ اللهِ تعالى لهُ بذلك، لا باجتِهادِه؛ فلهذَا أضافَ التحرِيم إليه تارةً وإلى اللِه تعالى تارةً.

والثاني: أنَّه دَعَا لهَا، فحرَّمها اللهُ تعالى بدعوَتِه؛ فأُضيفَ التحريمُ إليه بذلك، ووردَ في رواية: (إِنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَّمَهُ اللهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ) [خ¦3189] ، فَقِيلَ: إِنَّهَا مَا زَالَتْ مُحَرَّمَةً مِنْ يَوْمَ خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَقِيلَ: مَا زَالَتْ حَلَالًا كَغَيْرِهَا إِلَى زَمَنِ إِبْرَاهِيمَ، ثُمَّ ثَبَتَ لَهَا التَّحْرِيمُ مِنْ زَمَنِهِ، وَهَذَا الْقَوْلُ مُوَافِقٌ لِحَدِيثِ: «إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ» [خ¦3367] ، وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ للحديثِ الذي ذكرتُه أوَّلًا، وَبِهِ قَالَ الْأَكْثَرُونَ، وَأَجَابُوا عَنِ حديثِ تَحريمِ إِبْرَاهِيمَ مَكَّةَ: بِأَنَّ تَحْرِيمَهَا كَانَ ثَابِتًا مِنْ يَوْمَ خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، ثُمَّ خَفِيَ تَحْرِيمُهَا، وَاسْتَمَرَّ خَفَاؤُهُ إِلَى زَمَنِ إِبْرَاهِيمَ، فَأَظْهَرَهُ وَأَشَاعَهُ، لَا أَنَّهُ ابْتَدَأَهُ، وَمَنْ قَالَ بالثانِي؛ أَجَابَ عَنِ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ: بأنَّ اللهَ كَتَبَ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ أَوْ فِي غَيْرِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ: أَنَّ إِبْرَاهِيمَ عليه السَّلامَ سَيُحَرِّمُ مَكَّةَ بِأَمْرِ اللهِ تَبَارَك َوتَعَالَى.

ص 117

فائدةٌ: سياقُ الحديثِ ولفظُه يدلَّانِ على تحريمِ القتالِ لأهلِ مكَّة، وبهِ قال القَفَّالُ، وهو أحدُ القَولَين في قوله تعالى: {وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا} [آل عمران:97] ؛ أي: مِنَ الغَارَاتِ، وهو ظاهرُ قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِ} [العنكبوت:67] ، وهو منقولٌ مِن عادَةِ العربِ في احترامهم مكَّة، قال المَاوَرْدِيُّ: (مِن خصائصِ حَرَمِ مكَّة ألَّا يُحَارَبَ أَهْلُهُ، فلو بَغَى أَهْلُهُ على أهلِ العَدْلِ؛ فإنْ أمكَن ردُّهم عن البَغْيِ بغيرِ قتالٍ؛ لم يجُزْ قتالُهم، وإن لم يُمْكِن ردُّهُم عنه إلَّا بِه؛ فقال جمهورُ الفُقَهَاءِ: يُقَاتَلونَ؛ لأنَّ قتالَ البُغَاةِ مِن حقوقِ اللهِ تعالى التي لا يجوزُ إِضَاعَتُهَا، فَحِفْظُهَا في الحرمِ أَوْلَى من إضَاعَتِها) ، وقال بعضُ الفقهاءِ: (يحرمُ قتالُهم، ويُضَيَّق عليهم حتى يَرْجِعوا إلى الطَّاعة ويدخُلوا في أحكامِ أهلِ العَدْلِ) .

قال النَّوَوِيُّ: (والأوَّلُ هو الصَّوَابُ المنصوصُ عليه في «الأُمِّ» في «اخْتِلَافِ الحَدِيثِ» ، و «سِيَرِ الوَاقِدِيِّ» ، وقولُ القَفَّالِ غَلَطٌ، وأجابَ الشافعيُّ عن الأحاديثِ بأنَّ معناهَا: تحريمُ نَصْبِ القتالِ عليهم، وقتالُهم بما يَعُمُّ؛ كالمِنْجَنِيقِ وغيره، إذا لم يكن لإصلاحِ الحالِ بدونِ ذلك، بخلافِ مَا إذا تحصَّن الكُفَّارُ ببلدٍ آخَر؛ فإنَّه يجوز قتالُهم على كُلِّ وَجْهٍ وبكلِّ شيءٍ) .

ونازَع القُشَيْرِيُّ في ذلك، وقال: (إنَّه خلافُ الظاهرِ القَوِيِّ الذي دلَّ عليه عُمُومِ النَّكِرَةِ في سِيَاقِ النَّفْيِ، والمأذُونُ له فيه هو مُطْلَقُ القِتَالِ، ولم يَكُنْ بما يَعُمُّ) ، وهو كما قال، فالحديثُ نصٌّ في الخصوصيَّة، وقد اعتَذرَ فيه عمَّا أُبِيحَ له مِن ذلك، وهو مَا فهمَه راوي الحديث، ومَا أَبْعَدَ مَنِ ادَّعَى نسخَ الحديث بقوله تعالى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} [التوبة:5] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت