فهرس الكتاب

الصفحة 152 من 415

109 - (مَا لَمْ أَقُلْ) : هذا اللَّفْظُ خاصٌّ بالقَولِ، لكنْ لا شكَّ أنَّ الفعل في معناهُ؛ لاشتراكِهِمَا في عِلَّةِ الامتناعِ؛ وهو الجَسَارَةُ على الشريعة ومُشَرِّعها.

إشارةٌ: قال الكَرمَانِيُّ: (اختلافُ الرِّوَاياتِ في الألفاظِ مع الاشتراكِ في المعَانِي _كهذا الحديث_ مثلُه يُسَمَّى بالمُتَوَاتِرِ مِن جِهَةِ المَعنى) انتهى.

واعلم أنَّ هذا حديثٌ جليلٌ متواترٌ مقطوعٌ به، ولا يوجدُ له مُشَابِهٌ في طُرُقِهِ وكَثْرَتِها، قال البَزَّار: رواهُ مَرفوعًا نَحْوٌ مِن أربَعين صَحَابِيًّا)، وقال ابْنُ الصَّلَاحِ:

ص 119

(إنَّه حديثٌ بَلَغَ عددَ التوَاتُرِ، رواهُ الجَمُّ الكثير مِنَ الصَّحَابة، قيل: إنَّهم يبلُغون ثمانِين نَفْسًا، ولم يزلْ في اشتهارٍ وكَثْرَةِ طُرُقٍ في هذه الأَزْمَان، وحَكَى أَبُو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ أنَّه روَاه أكثرُ مِن ستِّين صحَابيًّا) ، وجمعَ المِزِّيُّ طُرُقَهُ في جُزْءٍ ضَخْمٍ بلغَ رُوَاتُه فوقَ سَبعين صَحَابيًّا، وقال العِرَاقِيُّ: (مئةً واثنينِ) ، وذَكَرَ في جُملةِ رُوَاتِه العَشَرَةَ إلَّا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وبلغَ بهم الطَبَرَانِيُّ وابْنُ مَنْدَه سبعَةً وثَمانين مِنْهُم العَشَرة، ويُجْمَع مِن كلامِ ابْنِ مَنْدَه وكلامِ ابْنِ خَلِيل نحو المِئَة، وقال بعضُهم: (رواهُ مِئَتَانِ من الصَّحَابة) ، حكاهُ النَّوَوِيُّ في «شَرْحِ مُقَدِّمَةِ مُسْلِمٍ» ، وقال العِرَاقِيُّ: (وأخبَرني بعضُ الحُفَّاظِ أنَّه روَاه مئتانِ من الصَّحَابة، وأنا أَستبعدُ وُقُوعَ ذلك) ، وعن ابْنِ دِحْيَة بعد أنْ قال: (رُوِيَ مِن نحوِ تسعِين صَحابيًّا) : (وقد أُخْرِجَ مِن نحوِ أربعِ مئةِ طريقٍ) .

قال بعضُهم: (ولا نعرفُ حَدِيثًا اجتمعَ على رِوَايَته العَشَرة ِسواه) ، وليس كما ذَكَرَ، فقد اجتمع ذلك في رَفْعِ اليَدَيْنِ والمَسْحِ على الخُفَّيْنِ، وقال العِرَاقِيُّ بعدَ أنْ ذَكَرَهُم: (فهؤلاءِ خَمْسَة وسبعونَ، يَصِحُّ مِن حديث نحو مِن عِشْرِين، اتَّفقَ الشيخَانِ على إخراجِ أحاديثِ أربعةٍ منهم، وانفردَ البُخَارِيُّ بثلاثةٍ ومُسْلِمٌ بوَاحِدٍ، وإنَّما يَصِحُّ مِن حديثِ خَمْسَةٍ من العَشَرة، والباقي أسانيدُهَا ضَعِيفة) ، قال: (ولا يُمْكِنُ التَّوَاتُرُ في شيءٍ مِن طُرُقِ هذا الحديثِ؛ لأنَّه يتعذَّر وُجُودُ ذلك في الطَّرَفَين والوَسط، بل بعضُ طُرُقِهِ الصحيحة إنَّما هي أفرادٌ عن بعضِ رُوَاتِها، وقد زادَ بعضُهم في عدد هذا الحديث حتى جاوَزَ المِئة، ولكنَّه ليس هذا المتن، وإنَّما هي أحاديثُ في مُطْلَقِ الكَذِبِ عليه؛ كحديثِ: «مَنْ حَدَّثَ عَنِّي بِحَدِيثٍ [وَهُوَ] يُرَى أَنَّهُ كَذِبٌ فَهُوَ أَحَدُ الْكَاذِبِينَ» ونحو ذلك؛ فحَذَفْتُهَا، ولم أعدَّها في طُرُقِ الحديث، ثمَّ رأيتُه بعدُ في «شَرْحِ مُسْلِمٍ» للنُّوَوِيِّ، ولعلَّ هذا محمولٌ على الأحاديثِ الواردةِ في مُطْلَقِ الكَذِبِ، لَا هذا المَتْنِ بِعَيْنِهِ) ، قالَه وَالِدِي رحمه اللهُ تعالى.

وقد ادُّعِيَ التَوَاتُرُ في عدَّة أحاديث، قال سيِّدي الوَالد: (ومَا أظُنُّهم أرادوا بذلك الذي ذكرَه الأُصُولِيُّون، وإنَّما أرادوا الصِّحَّة والشُّهْرَة المُسْتَفِيضَة، قال ابْنُ عَبْدِ البَرِّ في ترجمةِ عَمَّارٍ: وتَواتَرَتِ الأخبارُ عن النبيِّ عليه السَّلام أنَّه قال: «تَقْتُلُ عَمَّارًا الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ» ، منها حديث حَنِيْنِ الجِذْعِ [خ¦3583] ، قال عِيَاضٌ:( «إنَّه مُتَوَاتِرٌ» ) ، وقال الإِسْنَوِيُّ: (إنَّه لم يَتَوَاتَر) ، انتهى، وقد روَاه أُبيُّ بْنُ كَعْبٍ، وجَابَرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، وأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَر، وعَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ، وسَهْلُ بْنُ سَعْدٍ، وأَبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ، وبُرَيْدَةُ، والمُطَّلِبُ بْنُ أَبِي وَدَاعَةَ، وأمُّ سَلَمَة، وحديثُ صلاة الصِّدِّيقِ عن النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في مَرَضِ المَوْتِ تواتَرت به الأحاديثُ الصحيحةُ [خ¦664] ، وخُطْبَةُ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في حَجَّةِ الوَدَاعِ [خ¦67] ، قال شيخُنا في أوَّل «لِسَانِ المِيْزَانِ» : (بَلَغَتِ التَوَاتُر) ، وقال الحَاكِمُ: (وِلَادَةُ عَلِيٍّ في جَوْفِ الكَعبة تواتَرت به الأَخبار) ، وأقرَّه الذهبيُّ عليه، وقال النَّوَوِيُّ: (إنَّ هذا ضعيفٌ) ، وذكرَ وَالدِي رحمه الله تعالى أحاديث مِن هذا، واللهُ أعلم.

فائدةٌ: لهذا الحديثِ سببٌ؛ وهو أنَّ رجلًا جاءَ إلى قومٍ في جانب المدينة، فقال: إنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَنِي أَنْ أَحْكُمَ فيكم برَأيِي، وفي أَمْوَالِكُمْ، وفي كذَا، وفي كذَا، وَكَانَ خَطَبَ امْرَأَةً مِنْهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَأَبَوْا أَنْ يُزَوِّجُوهُ، ثمَّ ذهبَ حتَّى نَزَلَ عَلَى الْمَرْأَةِ، فبعثَ القومُ إلى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «كَذَبَ عَدُوُّ اللهِ» ، ثُمَّ أَرْسَلَ رَجُلًا فقالَ: «إنْ وَجَدْتَهُ حَيًّا؛ فَاقْتُلْهُ، وإنْ أنتَ وَجَدْتَهُ مَيِّتًا؛ فَحَرِّقْهُ بِالنَّارِ» ، فانطَلقَ، فَوَجَدَهُ قَدْ لُدِغَ فَمَاتَ، فَحَرَّقَهُ بِالنَّارِ؛ فعندَ ذلكَ قالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا؛ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» ، وفي روَاية: (لَدَغَتْهُ أَفْعَى) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت