فهرس الكتاب
136 - (عن خَالِدٍ) : هو ابن يزيد المصري، و (المجمِر) : بتخفيف الميم، ويقال: بتشديدها، كان يبخر المسجد، وقيل: إن أباه كان يأخذ المجمر قدام عمر بن الخطاب إذا خرج إلى الصلاة في رمضان، وبه جزم ابن حبان في «ثقاته» ، وجزم النووي في «شرح مسلم» بأن المجمر صفة لعبد الله ويطلق على ابنه نعيم مجازًا، قال ذلك مع جزمه أولًا بأن نعيمًا هو الذي كان يبخر المسجد؛ فتأمله.
وهذا الإسناد جميع رجاله من فرسان «الصحيحين» وباقي الكتب الستة إلا يحيى ابن بكير، فإنه من رجال البخاري، ومسلم، وابن ماجه فقط، والنصف الأول من إسناده مصريون، والنصف الثاني مدنيون، ورواه مع أبي هريرة: ابن مسعود، وجابر بن عبد الله، وأبو سعيد الخدري، وأبو أمامة الباهلي، وأبو ذر، وعبد الله بن بسر المازني، وحذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنهم.
(رَقِيتُ) : بكسر القاف: صعدت، وحكى ابن قرقول فتح القاف من غير همز ومعه.
(فَتَوَضَّأَ، قَالَ) : استئنافان، فكأن قائلًا قال: ماذا فعل؟ قال: توضأ، ثم قال: ماذا قال؟ فقال: قال، ولهذا لم يذكر فيهما واو العطف، وفي بعضها: (وتوضأ) بالواو.
و (يقول) : ذكر بلفظ المضارع؛ استحضارًا للصورة الماضية أو حكاية عنها، وإلا فالأصل: قال؛ بلفظ الماضي، قاله الكرماني، وقال شيخي: (فتوضأ) كذا لجمهور الرواة، وللكشميهني: (يومًا) بدل قوله: (فتوضأ) ، وهو تصحيف، وقد رواه الإسماعيلي وغيره من
ص 142
الوجه الذي أخرجه البخاري بلفظ: (ثم توضأ) ، انتهى
(يُدْعَوْنَ) : وفي «مسلم» : (يأتون) .
(غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ) : اقتصر على ذكر الغرة هنا وفي رواية أخرى ذكر معها [التحجيل] ، قال بعضهم: للعلم به، وقال الكرماني: إما لأنه اكتفى به عنه؛ لدلالته عليه، فهو من باب {سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ} [النحل:81] ، وإما لعدم الفرق بينهما؛ لأن تطويل الغرة يطلق في اليد أيضًا، نقله الرافعي عن أكثرهم، وقال الشيخ القشيري: كان ذلك من باب التغليب بالذكر لأحد الشيئين على الآخر وإن كانا بسبيل واحد؛ للترغيب فيه، وقد استعمل الفقهاء ذلك فقالوا: (يستحب تطويل الغرة) ، ومرادهم الغرة والتحجيل، وهذا ليس تغليبًا حقيقيًّا؛ إذ لم يؤت منه إلا بأحد الاسمين، والتغليب اجتماع الاسمين أو الأسماء ويغلب أحدهما على الآخر، نحو القمرين والعمرين وشبههما، ثم القاعدة في التغليب: أن يُغَلَّب المذكر على المؤنث لا بالعكس، والأمر هنا بالعكس لتأنيث الغرة وتذكير التحجيل، انتهى
ويجاب أيضًا: بأنها خصت بالذكر؛ لأن محلها أشرف أعضاء الوضوء، ولأنه أول ما يقع عليه البصر يوم القيامة، ونقل ابن بطال عن بعضهم أنه كنى بالغرة عن التحجيل؛ معللًا بأن الوجه لا سبيل إلى الزيادة في غسله، وهذا غريب عجيب.
(فَلْيَفْعَلْ) ؛ أي: الإطالة، وفائدة العدول عن الأصل وهو: فليطل الغرة؛ الاحتراز عن التكرار والإشعار بأن أصل هذا الفعل مهتم به.
فائدة: قوله: «فمن استطاع منكم أن يطيل غرته؛ فليفعل» : ادعى بعضهم أنه مدرج من كلام أبي هريرة، قال ابن الملقن: وفي هذه الدعوى بُعْدٌ عندي، انتهى
وقال ابن القيم: إن نعيمًا قال: (لا أدري هل هو من قول النبي صلى الله عليه وسلم أو من قول أبي هريرة؟) ، روى ذلك عنه الإمام أحمد في «المسند» ، نقل ذلك سيدي الوالد من كلام ابن القيم، ورأيت كلام ابن القيم فقال: (هذه الزيادة مدرجة في الحديث من كلام أبي هريرة، بيَّن ذلك غير واحد من الحفاظ، وفي «مسند أحمد» في هذا الحديث قال نعيم: فلا أدري قوله: «فمن استطاع ... » إلى آخره: من تمام كلامه عليه الصلاة والسلام أو شيء قاله أبو هريرة، وكان ابن تيمية يقول: هذه اللفظة لا يمكن أن تكون من كلام النبي صلى الله عليه وسلم؛ فإن الغرة لا تكون في اليد إلا في الوجه، وإطالتها غير ممكنة أن تدخل في الرأس ولا يسمى غرة) انتهى
فائدة: استدل جماعة من العلماء بهذا الحديث على أن الوضوء من خصائص هذه الأمة، وبه جزم الحليمي، وفي «الصحيح» : «لكم سيما ليست لأحد من الأمم، تردون علي غرًّا محجلين من أثر الوضوء» ، وقال آخرون: ليس الوضوء مختصًا بها وإنما الذي اختصت به الغرة والتحجيل، وادعى أنه المشهور من قول العلماء، واحتجوا بالحديث الآخر: «هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي» ، وأجاب الأولون عن هذا بوجهين: ضعفه، وأنه لو صح؛ لاحتمل اختصاص الأنبياء دون أممهم، بخلاف هذه الأمة، وفيه شرف عظيم لهم حيث استووا مع الأنبياء في هذه الخصوصية وامتازت بالغرة والتحجيل، لكن في حديث جريج: (أنه توضأ وصلى) ، وفي حديث سارة: (فقامت تتوضأ وتصلي) ، وفيه دلالة على أن الوضوء كان مشروعًا لهم، وعلى هذا فتكون خاصية هذه الأمة الغرة والتحجيل الناشئين عن الوضوء، لا الوضوء، ونقل الزناتي المالكي عن العلماء أن الغرة والتحجيل حكم ثابت لهذه الأمة من توضأ منهم ومن لم يتوضأ، كما قالوا: لا يكفر أحد من أهل القبلة بذنب، إنَّ أهل القبلة كل من آمن به من أمته سواء صلى أو لم يصل، وهذا غريب، وظاهر الأحاديث يقتضي خصوصية ذلك بمن توضأ منهم، وفي «صحيح ابن حبان» : يا رسول الله كيف تعرف من يرد من أمتك؟ قال: «غرٌّ محجلون بلقٌ من آثار الوضوء»
ص 143
خاتمة: فيه جواز الوضوء على ظهر المسجد، وهو من باب الوضوء في المسجد، وقد كرهه قوم وأجازه الأكثرون. ومن كرهه؛ لأجل التنزيه، كما يتنزه عن البصاق والنخامة، وحرمة أعلى المسجد كحرمة داخله، وممن أجازه في المسجد: ابن عباس، وابن عمر، وعطاء، والنخعي، وطاوس، وهو قول ابن القاسم المالكي وأكثر العلماء، وكرهه ابن سيرين وهو قول مالك وسحنون، وقال ابن المنذر: أباح كل من يحفظ عنه العلم الوضوء فيه إلا أن يبله ويتأذى به الناس؛ فإنه مكروه، وصرح جماعة من أصحابنا بجوازه فيه وأن الأولى أن يكون في إناء.
قال البغوي: (ويجوز نضحه بالماء المطلق ولا يجوز بالمستعمل؛ لأن النفس تعافه) ، قال ابن الملقن: وفي هذا نظر.