فهرس الكتاب
139 - (الإِنْقَاءُ) : الإسباغ: الإكمال والإتمام والمبالغة فيه، وتفسيره بالإنقاء من باب تفسير الشيء بلازمه؛ إذ الإتمام مستلزم للإنقاء عادةً.
(دَفَعَ مِنْ عَرَفَةَ) : (عرفة) : اسم الزمان، فالمراد هنا: إما الزمان، أي: رجع من وقوف عرفة بعرفات أو من مكان عرفة، وإما المكان، كما قيل: إن عرفة وعرفات مفرد، أو جاء كلاهما اسمين للمكان المخصوص، والأول أولى؛ ليوافق الاصطلاح المشهور للفقهاء.
(الصَّلَاةُ أَمَامَكَ) : أي: سنة الصلاة تأخير المغرب إلى المزدلفة ليجمع مع العشاء، وقال الخطابي: المراد أن موضع هذه الصلاة المزدلفة وهو أمامه، قال: وهو تخصيص لعموم الأوقات المؤقتة للصلاة الخمس؛ لفعله عليه السلام، وفيما قاله من التخصيص نظر، وأسامة لم يعلم هذه السنة؛ لأنه عليه السلام أول ما سنها في حجة الوداع.
ص 145
(ثُمَّ تَوَضَّأَ) : وضوءه في هذه الليلة كان من ماء زمزم، كما في «زوائد المسند» بإسناد حسن.
(وَلَمْ يُسْبِغِ الْوُضُوءَ) : أي: لم يكمله، بل توضأ مرة مرة سابغة، أو خفف استعمال الماء بالنسبة إلى غالب عاداته، ويؤيده رواية: (فتوضأ وضوءًا ليس بالبالغ) ، وفي «مسلم» : (فتوضأ وضوءًا خفيفًا) ، وقوله بعده: (فأسبغ الوضوء) أي: أكمله، ولا خلاف في هذا أنه الوضوء الشرعي، والأول اختلف فيه، فقيل: إنه الشرعي مرة مرة، وقيل: اللغوي، أي: اقتصر على بعض الأعضاء، وهو بعيد، وأبعد منه أن المراد به الاستنجاء، كما قاله عيسى بن دينار وجماعة، ومما يوهنه رواية البخاري: (أنه عدل إلى الشِّعب فقضى حاجته فجعلت أصب الماء عليه ويتوضأ) ، ولا يجوز أن يصب أسامة عليه إلا وضوء الصلاة؛ لأنه كان لا يقترب منه أحد وهو على حاجته، وأيضًا فقد قال أسامة عقب ذلك: (الصلاة يا رسول الله) ، ومحال أن يقول له الصلاة ولم يتوضأ وضوء الصلاة، وأبعد من قال: إنما لم يسبغه؛ لأنه لم يرد أن يصلي به، ففعله ليكون مستصحبًا للطهارة في مسيره، فإنه كان في عامة أحواله على طهر، وقال أبو الزناد: إنما لم يسبغه ليذكر الله؛ لأنهم يكثرون منه عشية الدفع من عرفة، وقال غيره: إنما فعله لإعجاله الدفع على المزدلفة، فأراد أن يتوضأ وضوءًا يرفع به الحدث؛ لأنه كان عليه السلام لا يبقى بغير طهارة، وكذا قال الخطابي: إنما ترك إسباغه حتى نزل الشعب؛ ليكون مستصحبًا للطهارة في طريقه، ويجوز فيه: لأنه لم يرد أن يصلي، فلما نزل وأرادها؛ أسبغه.
إشارة: خذ من هذا الحديث عدم وجوب الموالاة في جمع التأخير، فإنه وقع الفصل بينهما بإناخة كل إنسان بعيره، ويجب كون التأخير بنية الجمع، وإلا فيعصي ويكون قضاء، وتوقف السبكي في عصيانه؛ لأن الوقتين للجامع كالوقت الواحد، ولم ينقل أن النبي عليه السلام أمرهم هذه الليلة أن ينووا التأخير للجمع، وقد كان معه من يخفى عليه ذلك بلا شك، وهو إشكال قوي.
فائدة: سميت عرفات لأن آدم عرف حواء عليهما السلام هناك، وقيل: لأن جبريل عرَّف إبراهيم عليهما السلام المناسك هنا، أو للجبال التي فيها، والجبال هي: الأعراف، وقال القاسم بن محمد: سميت بذلك؛ لأن الناس يعترفون فيها بذنوبهم ويسألون غفرانها فتغفر.
وأما حد عرفات؛ هو ما جاوز وادي عرنة إلى الجبال القابلة مما يلي بساتين ابن عامر، وقال ابن عباس: حد عرفات من الجبل المشرف على بطن عرنة، وقال بعض أصحاب الشافعي: لعرفات أربعة حدود، أحدها ينتهي إلى جادة طريق المشرق، والثاني: إلى حافات الجبل الذي وراء أرض عرفات، والثالث: إلى البساتين التي تلي قرية عرفات، والرابع: ينتهي إلى وادي عرنة، قال إمام الحرمين: ويطيف بمنعرجات عرفات جبال وجوهها المقبلة من عرفات.
و (المزدلفة) : هي ما بين وادي محسر ومأزمي عرفة، وليس الحدان منها، وتسمى جمعًا؛ لاجتماع الناس بها، وقيل: لاجتماع آدم وحواء عليهما السلام، أو لمجيء الناس إليها في زلف الليل؛ أي: ساعاته، أو لأنه يجمع فيها بين الصلاتين، وذرع مسجدها تسع وخمسون ذراعًا وشبر في مثله.