فهرس الكتاب

الصفحة 204 من 415

145 - (يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) : هو الأنصاري، وسيأتي بعده في باب (التبرز في البيوت) : يحيى عن محمد بن يحيى من غير إضافة إلى أب، وهناك يفرقه والدي أنه الأنصاري، وبه جزم الكرماني وشيخنا في «الفتح» ، وأنا فهمت هنا أنه الأنصاري؛ لقول ابن الملقن: إنه تابعي، وكذلك (محمد بن يحيى) و (واسع بن حَبَّان) ،

ص 152

و (حبان) : بفتح الحاء المهملة وتشديد الباء الموحدة.

(اللَّبِنة) : بفتح اللام وكسر الموحدة، ويجوز إسكان الموحدة مع فتح اللام ومع كسرها، وكذا كل ما كان على هذا الوزن _أعني: مفتوح الأول مكسور الثاني_ يجوز فيه الأوجه الثلاثة، ككتف، وإن كان ثانيه أو ثالثه حرف حلق جاز فيه وجه رابع، وهو: كسر الأول والثاني، كفخذ.

(أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ) : قال الكرماني: أي: إن واسعًا كان يقول، وقال شيخنا: هذا وهم، وإنما هو ابن عمر، انتهى، ولفظ مسلم: (فقال عبد الله: يقول ناس إذا قعدت للحاجة؛ تكون لك ... ) إلى آخره.

(بَيْتَ الْمَقْدِسِ) : هو من باب إضافة الموصوف إلى صفته، نحو المسجد الجامع، والمقدس فيه لغتان: بالدال المشددة والمخففة، ومعناه بالمشددة: المطهر، والمخفف لا يخلو إما أن يكون مصدرًا أو مكانًا، ومعناه: بيت المكان الذي جعل فيه الطهارة، أو بيت مكان الطهارة، وتطهيره: إخلاؤه من الأصنام.

(بَيْتٍ لَنَا) : وفي رواية: (بيت حفصة) ، وفي رواية: (بيت) ، فقوله: (بيت لنا) مجاز؛ إذ بيت أخته بيته، وقال ابن الملقن: ويجمع بين قوله: (بيت لنا) و (بيت حفصة) بأن بيت حفصة بيته، أو بأنه كان لها بيت في بيت عمر يعرف بها، أو صار إليها بعد.

(عَلَى لَبِنَتَيْنِ) : يحتمل أن تكونا مبنيتين، فيكون حجة لمن قال: إنه لا يكلف الانحراف في الكنف المبنية إلى القبلة خلافًا لما ذهب إليه أبو أيوب، وفي رواية صحيحة لابن حزم: (رأيته يقضي حاجته محجر عليه باللبن) ، وللبزار: (رأيته في كنيف مستقبل القبلة) ، ثم قال: لا نعلم رواها عن نافع إلا عيسى الخياط، وهو ضعيف.

(مُسْتَقْبِلًا بَيْتَ الْمَقْدِسِ) : كذا هنا، وسيأتي (مستقبل الشام مستدبر القبلة) ، وفي «ابن حبان» : (مستقبل القبلة مستدبر الشام) وكأنه مقلوب.

(وَقَالَ) : قال الكرماني: أي: ابن عمر، والخطاب في (لعلك) لواسع، أي: لعلك من الذين لا يعرفون السنة؛ إذ لو كنت عارفًا بالسنة؛ لعرفت جواز استقبال بيت المقدس، ولما التفت إلى قولهم، وإنما كنى عن الجاهلين بالسنة بالذين يصلون على أوراكهم؛ لأن المصلي على الورك لا يكون إلا جاهلًا بالسنة، وإلا؛ لما صلى عليه، وقال والدي رحمه الله تعالى: قوله: (لعلك) هو من كلامه صلى الله عليه وسلم، واستشهد بما في «نهاية ابن الأثير» وفيه الحديث، فذكر (لعلك ... ) إلى آخره، وقال شيخنا العلامة خاتمة الحفاظ رحمه الله تعالى بعد أن نقل كلام الكرماني: ولا يخفى ما فيه من التكلف، وليس في السياق أن واسعًا سأل ابن عمر عن المسألة الأولى حتى ينسبه إلى عدم معرفتها، ثم الحصر مردود؛ لأنه قد يسجد على وركيه من يكون عارفًا بسنن الخلاء، والذي يظهر في المناسبة ما دل عليه سياق مسلم، ففي أوله عنده عن واسع قال: كنت أصلي في المسجد، فإذا عبد الله بن عمر جالس، فلما قضيت صلاتي؛ انصرفت إليه من شطر، فقال عبد الله: (يقول ناس ... ) ؛ فذكر الحديث، فكأن ابن عمر رأى منه في حال سجوده شيئًا لم يتحققه، فسأله عنه بالعبارة المذكورة، وكأنه بدأ بالقصة الأولى؛ لأنها من روايته المرفوعة المحققة عنده، فقدمها على ذلك الأمر المظنون، ولا يبعد أن يكون قريب العهد بقول من نقل عنه ما نقل، فأحب أن يعرف الحكم لهذا التابعي؛ لينقله عنه، على أنه لا يمنع إبداء مناسبة بين هاتين المسألتين بخصوصهما، وأن لإحداهما بالأخرى تعلقًا بأن يقال: لعل الذي كان

ص 153

يسجد وهو لاصق بطنه بوركيه كان يظن امتناع استقبال القبلة بفرجه في كل حالة، كما قدمنا في الكلام على مثار النهي، وأحوال الصلاة أربع: قيام وركوع وسجود وقعود، وانضمام الفرج فيها بين الوركين ممكن، إلا إذا جافى في السجود فرأى أن الإلصاق ضمًا للفرج، ففعله ابتداعًا وتنطعًا، والسنة بخلاف ذلك، والتستر بالثياب كاف في ذلك.

إن قلنا: مثار النهي الاستقبال بالعورة، فلما حدث ابن عمر التابعي بالحكم الأول أشار إلى الحكم الثاني؛ منبهًا له على ما ظنه منه في تلك الصلاة التي رآه صلاها.

(لَا أَدْرِي) ؛ أي: لا أدري أنا منهم أو لا، أو لا أدري السنة في الاستقبال ببيت المقدس، انتهى، وقال شيخنا: وأما قول واسع: (لا أدري) ؛ فدال على أنه لا شعور عنده بشيء من ما ظنه به؛ ولهذا لم يغلظ ابن عمر له في الزجر.

(قَالَ مَالِكٌ) : هو إما قول البخاري نقله تعليقًا، وإما قول عبد الله، يكون داخلًا تحت الإسناد المذكور، قال ابن بطال: أما قول ابن عمر (إن ناسًا يقولون ... ) إلى آخره؛ فهو مما رواه مَعْقل الأسَدي: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن تستقبل القبلتين بغائط أو بول) ، قال الكرماني: وأقول: فجعل (إن ناسًا) مقولًا لابن عمر لا لواسع، والسياق لا يساعده، انتهى، وتقدم التنبيه عليه.

وابن عمر يجوز أن يكون نظره إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كان منه التفاتة، فرآه ولم يكن قاصدًا لذلك، ويحتمل أن يكون ابن عمر قصد ذلك، ورأى رأسه دون ما عداه من بدنه، ثم تأمل قعوده فعرف كيف هو جالس؛ ليستفيد فعله، فنقل ما شاهد، قاله الكرماني، ويبعد هذا رواية البخاري الآتية: (ارتقيت فوق بيت حفصة لبعض حاجتي) ، وأما حديث معقل المذكور؛ فرواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، وسكت عليه أبو داود، وضعفه ابن حزم، وأجاب أصحابنا عنه بجوابين؛ أنه نهى عن استقبال بيت المقدس حين كان قبلة، ثم نهى عن الكعبة حين صارت قبلة، فجمع الراوي بينهما، الثاني: أن المراد بالنهي أهل المدينة؛ لأن من استقبل بيت المقدس وهو في المدينة استدبر الكعبة، وإن استدبره استقبلها، والمراد بالنهي عن استقبالها النهي عن استقبال الكعبة واستدبارها. وفي كل من التأويلين نظر، كما نبَّه عليه النووي في «المجموع» ، والظاهر المختار: أن النهي وقع في وقت واحد، وأنه عام لكلتيهما في كل مكان، ولكنه في الكعبة نهي تحريم في بعض الأحوال، وفي بيت المقدس نهي تنزيه، ولا يمتنع جمعهما في النهي وإن اختلف معناه، وسبب النهي عن بيت المقدس كونه كان قبلة فبقيت له حرمة دون حرمة الكعبة، وقد اختار الخطابي هذا التأويل، وصرَّح أصحابنا _كما تقدم_ بعدم الحرمة وأنه يكره، لهذا قال: وإنما حملنا النهي على التنزيه؛ للإجماع، فلا نعلم من يعتد به خَرَمَه، وحكى ابن أبي الدم وجهًا: أن النهي للتحريم، فأين الإجماع؟! وقال ابن بطال:(لم يقل بحديث معقل السالف أحد من الفقهاء إلا النخعي وابن سيرين

ص 154

ومجاهد فإنهم كرهوا استقبال القبلتين واستدبارهما ببول أو غائط، وهؤلاء غاب عنهم حديث ابن عمر، وهو يدل على أن النهي إنما أريد به الصحراء لا البيوت، وقال أحمد: حديث ابن عمر ناسخ للنهي عن استقبال بيت المقدس واستدباره بغائط وبول، والدليل على هذا: ما روى مروان الأصفر عن ابن عمر: أنه أناخ راحلته مستقبل بيت المقدس ثم جلس يبول إليها، فقلت: يا أبا عبد الرحمن أليس قد نهي عن هذا؟ قال: إنما نهي عن هذا في الفضاء، وأما إذا كان بينك وبين القبلة شيء يسترك؛ فلا بأس).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت