فهرس الكتاب
155 - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَكِّيُّ) : هو أبو الوليد الغساني الأزرقي المكي، مؤرخ مكة، وقال شيخنا: هو أبو الوليد، ووهم من قال أحمد بن محمد المكي أبو محمد، الثاني لم يرو عنه البخاري إنما روى عن الأول، ووهم من جعلهما واحدًا.
(فَدَنَوْتُ مِنْهُ) وفي رواية: (فدنوت منه أستأنس وأتنحنح، فقال: «من هذا؟» ، فقلت: أبو هريرة) .
(ابْغِنِي) : بالوصل: اطلب لي، وبالقطع: أعني على الطلب.
(أَوْ نَحْوَهُ) : الظاهر أنه أراد: أو نحو هذا من الكلام.
(ثِيَابِي) : الثياب: يحتمل أن يراد بها الجمع وأن يراد بها الجنس، كما يقال: فلان يركب الخيول، وفي «الإسماعيلي» : (بطرف ملائي) .
إشارة: هذا الحديث من أفراد البخاري، وذكره في (ذكر الجن) مطوَّلًا، وأخرج مسلم نحوه، وكذا
ص 160
النسائي، وابن ماجه، وفيه من الفوائد:
أنه لا يجوز الاستنجاء بنجس، وهو مذهب الجمهور، وجملة الاستنباط منه: أنه نبه بالروث على جنس النجس، وجوزه أبو حنيفة بالروث، وحكاه ابن وهب عن مالك.
وأنه لا يجوز الاستنجاء بعظم، وبه قال الشافعي وأحمد وداود، وقال أبو حنيفة ومالك: يصح الاستنجاء به، وقال بعض الشافعية: أنه يجزئه إن كان طاهرًا لا زهومة عليه؛ لحصول المقصود، حجة الأولين: أنه رخصة فلا يحصل بحرام.
والحكمة في النهي عن الاستنجاء بالعظم أنه زاد إخواننا الجن، كما في «مسلم» : «لا تستنجوا بالعظم والبعر؛ فإنهما طعام إخوانكم من الجن» ، وأخرجه البخاري ولفظه: (فلما فرغ قلت: ما بال العظم والروث؟ فقال: «هما من طعام الجن، وإنه أتاني وفد جن نصيبين، ونعم الجن، فسألوني الزاد، فدعوت الله لهم لا يمروا بعظم ولا روثة إلا وجدوا عليها طعامًا» ) ، وفي «مسلم» : أنهم سألوه الزاد فقال: «كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في يد أحدكم أوفر ما كان لحمًا» ، وفي «أبي داود» : «كل عظم لم يذكر اسم الله عليه» ، وأكثر الأحاديث تدل على معنى رواية أبي داود، وحمل بعض العلماء رواية مسلم على الجن المؤمنين، والرواية الأخرى على الشياطين منهم، وصححه السهيلي، وروى أبو داود والنسائي بإسناد جيد: أن النبي عليه السلام قال لرويفع بن ثابت: «يا رويفع، ستطول بك الحياة، فأخبر الناس أن من استنجى برجيع دابة أو بعظم فإن محمدًا بريء منه» .
قال ابن الملقن: وقد يأكله بعض الناس للضرورة، وقيل: نهى عنه؛ لأنه لزج لا يكاد يتماسك، فيزيل الأذى إزالة تامة، والحكمة في النهي عن الروث ما ذكرناه، قال ابن الملقن: ومر بي أنه زاد لدوابهم، انتهى
وفي «مسلم» في حديث الجن: «في كل بعرة علف لدوابكم» ، وقيل: لأنه يزيد في نجاسة الموضع؛ لأنه يمد النجاسة ولا يزيلها.
وفي «المهذب» : روى ابن مسعود رضي الله عنه قال: (قدم وفد الجن على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد انهَ أمتك أن يستنجوا بعظم أو روثة أو حممة، فإن الله تعالى جعل لنا فيها رزقًا، قال: فنهى النبي صلى الله عليه وسلم) ، قال الخطابي: الحمم: الفحم وما أحرق من الخشب والعظام ونحوهما، والاستنجاء به منهي عنه؛ لأنه جعل رزقًا للجن فلا يجوز إفساده عليهم، وذكر البغوي هذا الحديث ثم قال: فقد قيل: كلها طعام الجن والاستنجاء بها منهي عنه، وقيل: المراد منها العظم المحترق، انتهى
والاستنجاء بالفحم والتراب: فنص الشافعي فيهما على الإجزاء وعدمه، فقيل: قولان مطلقًا، والمذهب إن كان التراب صعيدًا كالمدر والفحم؛ صح، وإلا؛ فلا.
فإن جوزناه بالتراب احتاج أن يستنجي أربع مرات؛ لأن التراب في الأولى التصق بالمحل، وفي الثانية تناثر عنه، وفي الثالثة يلتصق بالمحل، فيحتاج إلى رابعة، ويندب خامسة للإيتار وإن منعناه به ففعل؛ تعين الماء، وكذلك الفحم المتفتت، وجوز الرافعي والنووي الاستنجاء بخشن الديباج مع الإثم، لكن في تأثيم المرأة بذلك نظر إلا أن يكون من جهة السرف.