فهرس الكتاب
159 -160 - (فَمَضْمَضَ) : الفاء فصيحة، وتقديره: فأخذ الماء منه وأدخله في فيه فمضمض به.
(نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا) : إنما قال: (نحو) ولم يقل (مثله) ؛ لأن حقيقة مماثلته عليه السلام لا يقدر عليها غيره، كذا قال النووي، لكن صح لفظ (مثل) أيضًا كما في البخاري في كتاب (الرقاق) .
(نَفْسَهُ) : حديث النفس قسمان: ما يهجم عليها ويتعذر دفعه عنها، وما تسترسل معه النفس ويمكن قطعه، ويمكن أن يحمل الحديث عليه دون الأول لعسر اعتباره، ولفظ الحديث (لا يحدث) يشهد له؛ لأنه تكسب وتفعل؛ لأن الخواطر ليست من جنس مقدور العبد وهي معفو عنها، ويمكن حمل الحديث على النوعين معًا، قال عياض عن بعضهم: ما كان عن غير قصد يرجى أن تقبل معه الصلاة، ويكون ذلك صلاة من لم يحدث نفسه بشيء؛ لأنه عليه السلام إنما ضمن الغفران لمراعي ذلك؛ لأنه قل من تسلم صلاته من حديث النفس، وقال النووي: الصواب حصول هذه الفضيلة مع طريان# الخواطر العارضة، وحديث النفس يعم الخواطر الدنيوية والأخروية، والحديث محمول على المتعلق بالدنيا فقط، وقد جاء في حديث رواه الحكيم الترمذي: «لا يحدث نفسه بشيء من أمر الدنيا ثم دعا إلا استجيب» ، وعزا حديث: «من صلى ركعتين لم يحدث نفسه بشيء من أمر الدنيا؛ غفر له ما تقدم من ذنبه» العراقي إلى «ابن أبي شيبة» مرسلًا، وفي «الإحياء» : «من توضأ فأسبغ الوضوء، وصلى ركعتين لم يحدث نفسه بشيء من
ص 163
الدنيا؛ خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه»، وفي لفظ آخر: (لم يسه فيهما؛ غفر له ما تقدم من ذنبه) ، قال العراقي: ابن المبارك في «الزهد والرقائق» باللفظين معًا.
والمراد بالغفران: الصغائر دون الكبائر، فإن الكبائر تكفَّر بالتوبة وفضل الله واسع، قال والدي رحمه الله تعالى: ورأيت عن بعضهم أنهما يغفران، وفيه نظر، والله أعلم.
وقال عمر: (إني لأجهز جيشي وأنا في الصلاة) ، وقال القاضي حسين: يكره أن يفكر في صلاته في أمر دنيوي أو في مسألة فقهية.
إشارة: الاستنثار: طلب دفع الماء للخروج من الأنف، مأخوذ من النثرة وهي: طرف الأنف، وقال الخطابي: هي الأنف، ومنهم من جعله جذب الماء إلى الأنف وهو الاستنشاق، والصواب الأول، ويدل له حديث عثمان الآتي: (ثم تمضمض واستنشق واستنثر) ؛ فجمع بينهما، وذلك يقتضي التغاير، ومنهم من قال: سمي جذب الماء استنشاقًا بأول الفعل واستنثارًا بآخره، ويكون الاستنثار باليسرى، و (المَرفِق) : بفتح الميم وكسر الفاء وعكسه، لغتان.
وظاهر الحديث استيعاب الرأس بالمسح؛ لأن اسم الرأس حقيقة في العضو، لكن الاستيعاب هل هو على سبيل الوجوب أو الندب؟ فيه قولان للعلماء، ومذهب الشافعي أن الواجب ما يقع عليه الاسم ولو بعض شعرة، وأوجب المزني مسح جميعه كمذهب مالك وأحمد، واختار البغوي وجوب قدر الناصية كمذهب أبي حنيفة؛ لأن النبي عليه السلام لم يمسح على أقل منه، وقيل: يتقدر الواجب بثلاث شعرات كالحلق في الإحرام، وفرق الأصحاب بأن المطلوب في الحلق الشعر، وتقدير الآية: محلقين شعر رؤوسكم، والشعر: اسم جمع أو اسم جنس وأقل الجمع ثلاثة، بخلاف المسح فإنه غير منوط بالشعر.
فإن قيل: صيغة الأمر بمسح الرأس والوجه في التيمم واحدة، فهلَّا أوجبتم التعميم أيضًا؟
قلنا: المسح في التيمم بدل؛ لأجل الضرورة، وهنا أصل، واحترزنا بقولنا: (لأجل الضرورة) عن المسح على الخفين، فإنه جوِّز؛ للحاجة.
ولم يذكر في الحديث هنا تثليث المسح، وروى أبو داود والنسائي: (أنه مسح رأسه ثلاثًا) ، لكن في «مسلم» في وصف عبد الله بن زيد وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أنه مسح رأسه مرة واحدة) ، وفي رواية له: (أنَّه توضأ فغسل وجهه ثلاثًا، ويديه مرتين، ورأسه مرة) ، لا جرم استحب بعض أصحابنا المسح مرة واحدة، وحكاه الترمذي عن الشافعي وهو مذهب الأئمة الثلاثة، واختاره ابن المنذر.
والثواب الموعود به مرتب على أمرين؛ الأول: وضوءه على النحو المذكور، والثاني: صلاته ركعتين عقبه بالوصف المذكور في الحديث، والمرتب على مجموع أمرين لا يلزم ترتبه على أحدهما إلا بدليل خارج، وقد يكون للشيء فضيلة بوجود أحد جزئيه؛ فيصح كلام من أدخل هذا الحديث في فضل الوضوء فقط؛ لحصول مطلق الثواب لا الثواب المخصوص على مجموع الوضوء على النحو المذكور والصلاة الموصوفة بالوصف المذكور.
(وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ) : إبراهيم بن سعد، وقال والدي رحمه الله تعالى: هذا معطوف على السند قبله، وليس هذا تعليقًا، انتهى، وقال ابن الملقن: هذا الحديث علَّقه البخاري كما ترى وأسنده مسلم: عن زهير حدثنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا أبي عن صالح به، قال أبو نعيم: (لم يذكر البخاري شيخه فيه، ولا أدري هو معقَّب بحديث إبراهيم بن سعد عن الزهري نفسه، أو أخرجه عن إبراهيم بلا سماع) انتهى،
ص 164
وقال الكرماني: هو تعليق من البخاري بصيغة تمريض عن إبراهيم بن سعد، انتهى، وقال شيخنا: زعم مغلطاي وغيره أنه معلق، وليس كذلك، فقد أخرجه مسلم والإسماعيلي من طريق يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن أبيه بالإسنادين معًا، وإذا كانا جميعًا عند يعقوب؛ فلا مانع أن يكونا عند الأويسي، ثم وجدت الحديث الثاني عند أبي عوانة في «صحيحه» من حديث الأويسي المذكور؛ فصح ما قلته، ولله الحمد.
(آيَةٌ) : بالياء ومد الألف؛ أي: لولا أن الله تعالى أوجب على من عَلِمَ علمًا إبلاغه؛ لما كنت حريصًا على تحديثكم. ووقع للباجي: بالنون، يعني: لولا أن معنى ما أحدثكم به في كتاب الله ما حدثتكم؛ لئلا تتَّكلوا، ويعضده ما في «الموطأ» : قال مالك: أراه يريد هذه الآية: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ ... } ؛ الآية [هود:114] ، وقال شيخنا: وما ذكره عروة راوي الحديث بالجزم أولى.
ومعنى إحسان الوضوء: الإتيان به تامًّا بصفته وآدابه، وقال الكرماني: إن قلت: إحسان الوضوء ليس متأخرًا عن الوضوء، فكيف عطفه عليه بالفاء التعقيبية؟!
قلت: الفاء موقعها موقع (ثم) التي لبيان المرتبة وشرفها؛ دلالة على أن الإحسان في الوضوء والإجادة فيه من محافظة السنن ومراعاة الآداب أفضل وأكمل من أداء ما وجب مطلقًا، ولا شك أن الوضوء المحسن فيه أعلى رتبة من غير المحسن فيه.
إن قلت: (إلا غفر) مما استثني؟ والفعل كيف وقع مستثنى؟
قلت: من (رجل) ؛ أي: لا يتوضأ رجل إلا غفر له، أو من أعم عام الأحوال؛ أي: لا يتوضأ رجل في حال إلا في حال المغفرة.
و (حتى) : غاية لحصول المقدر العامل في الظرف؛ إذ الغفران لا غاية له.
إن قلت: ذكر (بين الصلاة) مغنٍ عن ذكر (حتى يصليها) ؛ فما فائدته؟
قلت: لا يغني؛ لأن (بين الصلاة) يحتمل أن يراد به بين الشروع في الصلاة وبين الفراغ عنها، فلما قال: (حتى يصليها) ؛ تعيَّن الثاني، وفائدته: أن يشتمل الحاصل في الصلاة كالنظرة المحرمة الواقعة في نفس الصلاة.
(وَلَكِنْ عُرْوَةُ) : قال شيخنا: يعني أن شيخَي ابن شهاب اختلفا في روايتهما له عن حمران بن عثمان، حدثه به عطاء على صفة وعروة على صفة، وليس ذلك اختلافًا، وإنما هما حديثان متغايران، وقد رواهما معًا عن حمران معاذ بن عبد الرحمن، فأخرجه البخاري من طريقه نحو سياق عطاء، ومسلم من طريقه نحو سياق عروة، أخرجه أيضًا من طريق هشام بن عروة عن أبيه.
(قَالَ عُرْوَةُ) : قال الكرماني: هو تعليق، ويحتمل أن يكون مقولًا لابن شهاب.
خاتمة: ظاهر الحديث أن المغفرة المذكورة لا تحصل إلا بالوضوء وإحسانه والصلاة، وفي «الصحيح» من حديث أبي هريرة: «إذا توضأ العبد المسلم؛ خرجت خطاياه» ، ففيه أن الخطايا تخرج مع آخر الوضوء حتى يفرغ من الوضوء نقيًّا من الذنوب، وليس فيه ذكر الصلاة، فيحتمل أن يحمل حديث أبي هريرة عليها، لكن يبعده أن في رواية لمسلم في حديث عثمان: «وكانت صلاته ومشيه إلى المسجد نافلة» ، ويحتمل أن يكون ذلك باختلاف الأشخاص، فشخص يحصل له ذلك عند الوضوء وآخر عند تمام المسجد، وجاء في «مسلم» : «ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة، فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها؛ إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم يؤت كبيرة» .
واعلم أن النووي قال: معناه: أن الذنوب كلها تغفر إلا الكبائر، فإنها لا تغفر، وليس المراد: أن الذنوب تغفر ما لم تكن معناه، فإن كانت لا يغفر شيء من الصغائر؛ لأن هذا وإن كان محتملًا؛ فسياق الأحاديث يأباه، قال القاضي: هذا المذكور في الحديث من غفران الذنوب ما لم يؤت كبيرة هو مذهب أهل السنة، وإن الكبائر إنما تكفرها التوبة أو رحمة الله تعالى وفضله، والله تعالى أعلم.
وفي الحديث الآخر: «الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنب الكبائر» ، لا يقال: إذا كفر الوضوء؛
ص 165
فماذا تكفر الصلاة، وإذا كفرت الصلاة؛ ماذا تكفر الجمعات ورمضان، وكذا صيام عرفة يكفر سنتين، ويوم عاشوراء كفارة سنة، وإذا وافق تأمينه تأمين الملائكة؛ غفر له ما تقدم من ذنبه؛ لأن المراد: أن كل واحد من هذه المذكورات صالح للتكفير، فإن وجد ما يكفره من الصغائر؛ كفره، وإن لم يصادف صغيرة؛ كتبت له حسنات ورفعت له درجات، وإن صادف كبيرة أو كبائر ولم يصادف صغيرة؛ رجي أن يخفف منها.