فهرس الكتاب
(33) (وَكَانَ عَطَاءٌ) : قال الكرماني: الظاهر أنَّه ابن أبي رباح، وبه جزم والدي رحمه الله تعالى، وقال شيخي: وصله الفاكهي في أخبار بسند صحيح إلى عطاء _وهو ابن أبي رباح_ ولمَّا ذكر البخاري شعر الإنسان؛ استطرد غيره بذكر ما ذكر عن عطاء،
ص 174
ونقل ابن بطال عن المهلَّب أنَّ البخاري أراد بهذه الترجمة ردَّ قول الشافعي: إنَّ شعر الإنسان إذا فارق الجسد؛ نجس، وإذا وقع في الماء؛ نجَّسه، وذكر قول عطاء السَّالف، ولو كان نجسًا؛ لما جاز اتخاذه، ولمَّا جاز اتخاذ شعر النبي صلى الله عليه وسلم والتبرُّك به؛ علم أنه طاهر، وعلى قول عطاء جمهور العلماء، انتهى
والحكاية عن الشافعي بتنجيس شعر الآدمي المنفصل مرجوع عنه، نقل المزنيُّ عن الشافعيِّ أنَّه رجع عن تنجيس شعر الآدمي، وحكى الربيع الجيزيُّ عن الشافعيِّ: أنَّ الشعر تابع للجلد يطهر بطهارته وينجس بنجاسته، وصرَّح القاضي أبو الطيِّب وآخرون بأنَّ الشعر، والصوف، والوبر، والعظم، والقرن، والظلف تحلُّها الحياة وتنجس بالموت، وهو المذهب، وهو الذي رواه المزني والبويطي والربيع المرادي وحرملة، وأمَّا شعره صلى الله عليه وسلَّم؛ فالمذهب الصحيح القطع بطهارته، ومن خالف فيه قال: إنَّما قسم شعره؛ للتبرُّك، ولا يتوقف التبرُّك على كونه طاهرًا، كذا قاله الماوردي وآخرون، قالوا: ولأنَّ القدر الذي أخذ كان يسيرًا معفوًّا عنه.
(وَسُؤْرِ) : بالهمز وعدمه، وهو من بقيَّة التَّرجمة، وقصد البخاري بذلك اثنان: طهارة الكلب وطهارة سؤره، قال الإسماعيلي: أُراه نحا ذلك ممَّا ذكره من الأخبار، لكنَّ في الاستدلال بها على طهارة الكلب نظر، والله أعلم، وجه النظر: أنَّ غسل الإناء من شربه يجوز أن يكون؛ لنجاسته، وأن يكون تعبُّدًا، ويرجَّح الأول بما في «مسلم» : «طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب؛ أن يغسل سبعًا» ، وهي على شرطه أيضًا، فدلَّ على نجاسة سؤره، وإذا كان فمه نجسًا؛ فسائر أعضائه كذلك؛ لأنَّ لعابه أطيب فضلاته، وصحَّ عنه صلى الله عليه وسلَّم الأمر بإراقة ما ولغ فيه ولو لم يكن نجسًا؛ ما أمر به؛ لأنَّه نهى عن إضاعة المال، وروى أحمد والدارقطني والحاكم: أنَّه عليه السلام دعي إلى دار قوم، فأجاب، ثمَّ دعي إلى دار أخرى، فلم يجب، فقيل له في ذلك فقال: «إنَّ في دار فلان كلبًا» ، قيل: وفي دار فلان هرَّة، فقال: «الهرَّة ليست بنجسة» .
(به) : أي: الماء، وفي بعضها: (بها) ، فيؤوَّل (الإناء) بالمطهرة أو الإداوة، فيكون المراد: فيتوضَّأ بالماء الذي فيها.
(قَالَ سُفْيَانُ) : هو الثوري، قاله الكرماني وابن الملقِّن.
(هَذَا الْفِقْهُ بِعَيْنِهِ) : أي: الحكم بأنَّه يتوضَّأ به هو المستفاد من القرآن: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً} [النساء:43] ، قال شيخي: وقع في رواية القابسي عن المروزي في حكاية قول سفيان في هذا الحديث يقول الله تعالى: (فإن لم تجدوا) ، وكذا حكاه أبو نعيم في «المستخرج» ، وفي باقي الروايات: {فَلَمْ تَجِدُوا} ، وهو الموافق للتِّلاوة، وقال القابسي: وقد ثبت ذلك في «الأحكام» لإسماعيل القاضي؛ يعني: بإسناده إلى سفيان، قال: وما أعرف من قرأ بذلك، قلت: لعلَّ الثوري حكاه بالمعنى، وكان يرى جواز ذلك، انتهى
(وَفِي النَّفْسِ) : من تتمَّة كلام سفيان، والواو في (يتيمَّم) ؛ بمعنى: (ثُمَّ) ؛ إذ التيمُّم بعد التوضُّؤ قطعًا، وإذا كان الحكم بعينه مذكورًا في القرآن؛ فلم يبق في النفس منه دغدغة.
قلت: قد يبقى إمَّا لعدم ظهور دلالته، أو لوجود معارض له إمَّا في القرآن أو غير ذلك.