فهرس الكتاب

الصفحة 245 من 415

180 - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ أَخْبَرَنَا النَّضْرُ) : قال أبو علي: قال البخاري في (الصلاة) وسورة (البقرة) في موضعين، و (الفضائل) ، و (اللباس) ، و (الأدب) ، و (خبر الوحد) : (حدثنا إسحاق أخبرنا النضر) نسبه ابن السكن في بعض هذه المواضع: إسحاق بن إبراهيم، وفي نسخة للأصيلي في باب (من لم ير الوضوء إلا من المخرجين) ؛ يعني: هذا المكان: (حدثنا إسحاق بن منصور أخبرنا النضر) ، وقال أبو نصر: النضر بن سهيل يروي عنه إسحاق بن منصور وإسحاق بن إبراهيم، انتهى

ورواه أبو نعيم في «المستخرج» : (وقال إسحاق بن إبراهيم: أنبأنا النضر) ، ورواه من طريق إسماعيل بن إبراهيم عن النضر، وقال في آخره: أخرجه _يعني البخاري_ عن إسحاق الكوسج عن النضر، فهذا يدل على أن الإسحاقين روياه عن النضر، وأن إسحاق الذي روى عنه البخاري الكوسج، كما صرح به أبو نعيم، ولم يقل أنه الذي رواه من طريقه، ويؤيد ذلك ما ذكره أبو علي أن في نسخة الأصيلي في هذا السند: إسحاق بن منصور، وقال النهري: النضر بن سهيل، ولم ينسب إسحاق.

(الْحَكَمِ) : ابن عتيبة الكندي، ولهم آخر يقال له: الحكم بن عتيبة، متكلم فيه، وجعلهما البخاري واحدًا، فعد من أوهامه.

(عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) : هو الْخُدْرِيِّ؛ بالدال المهملة، سعد بن مالك بن سنان، والرجل الأنصاري: عتبان بن مالك، وأوضحت الكلام على هذا المكان في «مبهماتي» .

(أُعْجِلْتَ أَوْ أُقْحِطْتَ) : بضم أولهما، قال الأصفهاني: وقع في الكتاب: (قحطت) والمشهور: (أقحطت) ؛ بالألف، يقال للذي أعجل عن الإنزال في الجماع ففارق ولم ينزل الماء، وجامع فلم يأته الماء: أقحطت، قال الكرماني: فعلى هذا التقدير لا يكون؛ لقوله: (أعجلت) فائدة، اللَّهُمَّ إلا أن يقال: أنه من باب عطف العام على الخاص.

والشك ههنا الظاهر أنه ليس من كلام الراوي، بل هو تنويع من النبي صلى الله عليه وسلم، ومراده بيان أن عدم الإنزال كان يحسب أمر خارج من دأب الشخص، أو كان من دأبه لا فرق بينهما في الحكم، وأن الوضوء عليه فيهما.

وقال ابن الجوزي: أصحاب الحديث يقولون: قَحطت؛ بفتح القاف، وقال لنا عبد الله بن أحمد: الصواب ضم القاف، وفي «مسلم» : (أَقحَطت) بفتح الهمرة والحاء، وعند ابن بشار: بضم الهمزة، وكسر الحاء، كأُعجِلت، والروايتان صحيحتان.

وحكى الفراء: قحِط المطر؛ بالكسر

ص 184

وأصله بالفتح، وفي «المحكم» : بالفتح أعلى، وقحِط الناس؛ بالكسر لا غير، وأقحطوا، وكرهها بعضهم، ولا يقال: قُحطوا، ولا أُقحطوا، وقال أبو حنيفة: قَحِط القوم، وقال ابن الأعرابي: قحِط الناس؛ بالكسر، وفي «أمالي الهجري» : أقحط الناس.

إشارة: قال ابن الملقن: (هذا الحديث والذي قبله وجه سياق البخاري لهما هنا: أن أقل أحوالهما حصول المذي لمن جامع ولم يمن، فهما في معنى حديث المقداد من وجه، إلا أن جماعة العلماء وأئمة الفتوى مجمعون على الغسل من مجاوزة الختان؛ لأمر الشارع بذلك، وهو زيادة على ما في هذين الحديثين يجب الأخذ بها، إذ الأغلب في ذلك سبق الماء للمولج، وهو لا يشعر به؛ لمغيب العضو، إذ ذلك بداء للذة، وأول العسيلة، فلزم الغسل من مغيبها إلا من شذ) ، وقال في آخر الحديث: (ولم يقل بعدم نسخه إلا ما روي عن هشام بن عروة، والأعمش، وابن عيينة، وداود، وادعى عياض أنه لا يعلم من قال به بعد خلاف الصحابة إلا الأعمش، ثم داود) انتهى

وفي الحديث: (إنما كان الماء من الماء رخصة في أول الإسلام، ثم نسخ) ، رواه الترمذي وصححه، فزال ما استنقدوا فيه البخاري، وفي «الترمذي» عن ابن عباس: (إنما الماء من الماء في الاحتلام) .

وقال ابن حزم: (وممن رأى أن لا غسل من الإيلاج في الفرج إن لم يكن أنزل: عثمان، وعلي، والزبير، وطلحة، وسعد، بن أبى وقاص، وابن مسعود، ورافع بن خديج، وأبو سعيد الخدري، وأبي بن كعب، وأبو أيوب الأنصاري، وابن عباس، والنعمان بن بشير، وزيد بن ثابت، وجمهرة الأنصار، وعطاء بن أبي رباح، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وهشام بن عروة، وبعض أصحاب الظاهر، وقد روي عن بعضهم ما يخالفه) انتهى

وقال النووي: (إن الأمة مجمعة الآن على وجوب الغسل بالجماع وإن لم يكن معه إنزال، وعلى وجوبه بالإنزال، وكان جماعة من الصحابة على أنه لا يجب إلا بالإنزال، ثم رجع بعضهم، وانعقد الإجماع بعد الآخرين) .

وقال الترمذي: (وقد روي هذا الحديث عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير وجه: «إذا جاوز الختان الختان؛ وجب الغسل» ، وهو قول أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؛ منهم: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعائشة، والفقهاء من التابعين ومن بعدهم؛ مثل: الثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، قالوا: إذا التقى الختانان؛ وجب الغسل.

وقال ابن القيم: (النسخ الواقع في الأحاديث التي أجمعت علىه الأمة لا يبلغ عشرة أحاديث ألبتة، بل ولا شطرها) انتهى

وروى مسلم عن عائشة أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم بحضرتها عن الرجل يجامع أهله، ثم يكسل أيغتسل؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «أنا وهذه نفعله ثم نغتسل» .

وفي «البخاري» ، و «مسلم» : «إذا التقى الختان؛ وجب الغسل» ، والتقاؤهما: تحاذيهما وإن لم يتضامَّا؛ لأن ختانها أعلى من مدخل الذكر، يقال: التقى الفارسان إذا تحاذيا، وذلك يحصل بغيبوبة الحشفة، فلو أولج بعضها؛ لم يجب على الصحيح.

ولا فرق في الإيلاج بين الناسي والمكره، وغيرهما، ولا في الذكر بين أن يكون منتشرًا أو لا، ولا بين أن يكون عليه خرقة أم لا، في أصح الأوجه، فلو قطع ذكره وبقي منه دون الحشفة؛ لا يتعلق بإيلاجه غسل، وهو ما أفهمه كلام الرافعي، وليس كذلك، بل إيلاج الباقي كإيلاج الحشفة، قاله ابن رضوان.

فلو أولج قدر الحشفة من ذكر مقطوع؛ فلا نقل في المسألة، لكن قياس نقل نقض الوضوء بمسه إلحاق الغسل بإيلاجه، وقد صرحوا بأن إيلاج الذكر المقطوع على الوجهين في نقض الوضوء بمسه، فلو أولج قرد أو بهيمة في آدمي بلا حشفة له، فهل يعتبر إيلاج كل ذكره أو إيلاج قدر حشفة معتدلة؟ قال الإمام: فيه نظر موكول إلى نظر الفقيه.

ولنا عودة إن شاء الله تعالى إلى هذا المكان في كتاب (الغسل) عند قول البخاري: (وذلك الآخر إنما بينا اختلافهم) ، وقال ابن العربي: (روى جماعة من الصحابة المنع، ثم رجعوا، حتى روي عن عمر أنه قال: «من خالف في ذلك جعلته نكالًا» ، وانعقد الإجماع على ذلك، ولا يعبأ بخلاف داود في ذلك، فإنه لولا خلافه؛ ما عرف، وإنما الأمر الصعب خلاف البخاري في ذلك، وحكمه بأن الغسل أحوط، وهو أحد علماء الدين، والعجب منه أنه يساوي بين حديث عائشة في وجوب الغسل بالتقاء الختانين، وبين حديث عثمان وأُبي في نفيه الماء بلا إنزال.

وحديث ضعيف ضعيف؛ لأن مرجعه إلى الحسين بن ذكوان، يرويه عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن عطاء بن يسار، عن زيد، والحسين لم يسمعه من يحيى وإنما نقله له، قال يحيى، وكذلك أدخله البخاري عنه بصيغة المقطوع، وهذه علة، وقد خولف فيه عن يحيى؛ فرواه عنه غيره موقوفًا على عثمان، ولم يذكر فيه: «عن النبي عليه السلام» ، وهذه علة ثانية، وقد خولف فيه أيضًا أبو سلمة؛ فرواه زيد بن أسلم عن عطاء عن زيد بن خالد أنه سأل خمسة أو أربعة من الصحابة فأمروه بذلك، ولم يرفعه، وهذه علة ثالثة، وكم من حديث ترك البخاري إدخاله بواحدة من هذه العلل الثلاث، فكيف بحديث اجتمعت فيه؟!

وحديث أُبي يضعفه التعليق؛ لأنه قد صح رجوعه عما روى لما سمع وعلم ما كان أقوى منه.

ويحتمل قول البخاري: «الغسل أحوط» يعني: في الدين، وهو باب مشهور في أصول الفقه، وهو أشبه بإمامة الرجل وعلمه.

قلت: قد أخرج البخاري حديث عثمان من غير طريق الحسين بن ذكوان؛ رواه عن سعيد بن حفص عن سفيان، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن عطاء، عن زيد بن خالد، عن عثمان مرفوعًا، وقال الدارقطني: حدث به غير يحيى حسين المعلم وشيبان وهو صحيح عنهما، ورواه ابو شاهين من حديث معاوية بن سلام عن يحيى به، والحسين بن ذكوان: ضعفه العقيلي، وأخرج له الستة.

وقوله: (إن البخاري رواه بصيغة المقطوع) فيه نظر، بل ذكره في موضع الاحتجاج به، وأخرجه مسلم بصيغة: (عن يحيى) بدل: (قال يحيى) ، وقال ابن طاهر: سمع الحسين بن ذكوان من يحيى، وقد رواه مصرحًا بالسماع من يحيى ابن خزيمة في «صحيحه» ، والبيهقي في «سننه» ، وغيرهما.

وقوله: (إن أبا سلمة خالفه زيد بن أسلم) لا يضره؛ لأن أبا سلمة إمام حافظ، وقد زاد متصل، ولأن الراوي قد ينشط فيرفع الحكم.

(تَابَعَهُ وَهْبٌ) : الضمير يعود على النضر بن شميل، و (وهب) : هو ابن جرير بن حازم بن حازم، وأما (يحيى) ؛ فهو القطان، وأما (غندُّر) ؛ فهو بفتح الدال وضمها، واسمه محمد بن جعفر.

ص 185

وأما قوله: (لَمْ يَقُلْ ... ) إلى آخره؛ ففيه حذف المبتدأ وهو الوضوء، وجاز ذلك؛ لقيام القرينة عليه، والمقدر عند القرينة كالملفوظ.

واعلم أنه يحذف كل من المبتدأ والخبر إذا دل عليه دليل جوازًا ووجوبًا، فذكر ابن مالك في «خلاصته» ما يحذف جوازًا، وأما حذف المبتدأ وجوبًا؛ فلم يذكرها في «خلاصته» ، وعدها في غير الخلاصة أربعة؛ فانظر ذلك من كتب النحو.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت